في تطور لافت ومفصلي في مسار العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران، عاد الرئيس الأمريكي للواجهة بتصريحات نارية، حيث ترمب يهدد إيران بشكل مباشر وصريح من مغبة رفض العرض الجديد المطروح لإنهاء حالة الصراع الدائرة. وقد وجه تحذيراً شديد اللهجة بأنه في حال عدم موافقة طهران على البنود المطروحة، فإن القوات الأمريكية ستبدأ قصفاً عنيفاً على مستوى أعلى بكثير مما شهدته الفترات السابقة، مما يضع المنطقة بأسرها أمام مفترق طرق حاسم.
كيف ولماذا ترمب يهدد إيران في هذا التوقيت الحساس؟
وفي تفاصيل هذا التصعيد، أوضح ترمب عبر منشور له على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال” يوم الأربعاء، أن موافقة القيادة الإيرانية على المقترح الأمريكي ستعني الإيقاف الفوري لما أسماه “عملية ملحمة الغضب”. وأضاف أن هذا الاتفاق سيضمن إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة العالمية للجميع، بما في ذلك السفن الإيرانية. يأتي هذا التصريح في وقت حرج تسعى فيه الأطراف الدولية لتهدئة التوترات التي تصاعدت منذ اندلاع المواجهات المباشرة في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
الجذور التاريخية للتوترات بين واشنطن وطهران
لفهم أبعاد هذا المشهد، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. فالعلاقات الأمريكية الإيرانية تتسم بالعداء المستحكم منذ عقود، وتحديداً منذ أزمة الرهائن في عام 1979. وقد اتخذت هذه التوترات منحنى أكثر حدة خلال فترة رئاسة دونالد ترمب الأولى، عندما تبنى استراتيجية “الضغوط القصوى”. تمثلت هذه الاستراتيجية في الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية استهدفت شل قطاعي النفط والمصارف في إيران. هذا الإرث من انعدام الثقة يجعل من أي مفاوضات حالية عملية معقدة ومحفوفة بالمخاطر، حيث يسعى كل طرف لتحقيق أقصى المكاسب الاستراتيجية دون تقديم تنازلات جوهرية تمس أمنه القومي.
تفاصيل مذكرة التفاهم والمفاوضات الجارية
في سياق متصل، نقل موقع “أكسيوس” الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة تأكيدهم أن الإدارة الأمريكية تعتقد أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى اتفاق مبدئي مع إيران. يتمثل هذا الاتفاق في مذكرة تفاهم من صفحة واحدة تهدف بالأساس إلى إنهاء الحرب ووضع إطار عمل واضح لمفاوضات نووية أكثر تفصيلاً في المستقبل. وتنتظر واشنطن رداً حاسماً من طهران خلال 48 ساعة بشأن عدة نقاط أساسية. ورغم أن الاتفاق لم يُحسم بعد، إلا أن المصادر تؤكد أن هذه المرحلة هي الأقرب للتوصل إلى تسوية منذ بدء العمليات العسكرية.
وتتضمن بنود الاتفاق المطروحة التزام إيران بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم بشكل مؤقت، وذلك مقابل موافقة الولايات المتحدة على رفع حزمة من العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. كما يشمل المقترح تخفيف القيود المفروضة على حركة العبور والشحن في مضيق هرمز. وأشار “أكسيوس” إلى أن المفاوضات التي تضم 14 بنداً تُجرى عبر مبعوثين مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع مسؤولين إيرانيين، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء دوليين. ومن المرجح أن تُعقد الجولات القادمة من هذه المفاوضات في إسلام آباد أو جنيف.
التداعيات الإقليمية والدولية للاتفاق المحتمل
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة نظراً لتأثيرها المتوقع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الإقليمي، يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، وأي استقرار فيه ينعكس إيجاباً على أمن الطاقة العالمي ويقلل من تكاليف الشحن والتأمين. أما دولياً، فإن التوصل إلى تسوية بشأن البرنامج النووي الإيراني، حيث تُطالب واشنطن بوقف التخصيب لمدة تصل إلى 20 عاماً بينما تقترح طهران 5 سنوات (مع ترجيح المصادر الاستقرار عند 12 إلى 15 عاماً)، سيحد من سباق التسلح في الشرق الأوسط. وفي حال فشل هذه الجهود الدبلوماسية، فإن البديل سيكون العودة إلى مربع التصعيد العسكري وإعادة فرض الحصار البحري، مما يهدد بإشعال أزمة اقتصادية وأمنية قد تتجاوز حدود منطقة الشرق الأوسط لتؤثر على استقرار الأسواق العالمية بأسرها.


