في إطار الجهود المستمرة لحماية التراث الوطني، أعلنت هيئة التراث السعودية عن توثيق نقش إسلامي نادر في حائل، وتحديداً في موقع «ضليع النيص» التابع لمحافظة سميراء. هذا الاكتشاف الأثري الهام يعود تاريخه إلى القرن الأول الهجري (الثامن الميلادي)، مما يجعله شاهداً حياً على حقبة زمنية مبكرة من التاريخ الإسلامي في شبه الجزيرة العربية.
وقد نُفذ هذا النص التاريخي بعناية فائقة على صخرة جرانيتية مسطحة تتخللها عروق من معدن الكوارتز، مما يعكس طبيعة الجيولوجيا المحلية للمنطقة. وبحسب القراءة العلمية التي أجراها خبراء الهيئة، فإن النص عبارة عن دعاء بالمغفرة لشخص يُدعى «إبراهيم بن زياد»، ويتضمن اقتباساً صريحاً من ختام آية كريمة من سورة البقرة. هذا المزج بين الدعاء الشخصي والنص القرآني يطرح تساؤلات علمية وتاريخية عميقة حول هوية هذا الشخص، ومكانته الاجتماعية، والظروف التي دفعته أو دفعت من بعده لتدوين هذا النقش في هذا الموقع النائي.
درب زبيدة: الحاضنة التاريخية لأقدم نقش إسلامي نادر في حائل
لا يمكن قراءة هذا الاكتشاف بمعزل عن سياقه المكاني والتاريخي؛ فموقع «ضليع النيص» يمثل إحدى المحطات الرئيسية على طريق الحج الكوفي، المعروف تاريخياً باسم «درب زبيدة». هذا الطريق الذي يربط مدينة الكوفة في العراق بمكة المكرمة، كان يمثل شرياناً حيوياً للتواصل الثقافي والتجاري والديني عبر القرون. ازدهر الدرب بشكل خاص خلال العصر العباسي، وتم تزويده بالآبار والبرك والمحطات لخدمة قوافل الحجاج والتجار. العثور على نقوش تعود للقرن الأول الهجري في هذه المحطات يؤكد أن استخدام هذا المسار بدأ في وقت أبكر بكثير مما هو شائع، مما يضيف طبقة جديدة من الفهم لتطور طرق الحج المبكرة في صدر الإسلام.
الأبعاد الثقافية والتأثير الإقليمي للاكتشافات الأثرية
يحمل توثيق هذا الأثر أهمية كبرى تتجاوز الحدود المحلية لتصل إلى المستويين الإقليمي والدولي. على الصعيد المحلي، يعزز هذا الاكتشاف من مكانة منطقة حائل كخزان أثري مفتوح يروي فصولاً متعاقبة من تاريخ الجزيرة العربية، ويدعم جهود هيئة التراث في صون المقدرات الثقافية وإبراز العمق الحضاري للمملكة العربية السعودية، وهو ما يتماشى بشكل وثيق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في قطاع السياحة والتراث.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن دراسة مثل هذه النقوش المبكرة توفر للباحثين وعلماء الآثار حول العالم مادة علمية قيمة لتتبع تطور الخط العربي في مراحله الأولى، وفهم طبيعة الحياة الاجتماعية والدينية للمسافرين عبر طرق القوافل القديمة. إن كل حرف يُكتشف على صخور هذه الطرق يمثل وثيقة تاريخية غير قابلة للتزوير، تسهم في إعادة بناء المشهد الثقافي للعالم الإسلامي المبكر، وتجعل من المملكة وجهة عالمية رائدة للباحثين في مجال الآثار والتاريخ الإسلامي.
في الختام، يبقى السؤال المفتوح حول شخصية «إبراهيم بن زياد» لغزاً ينتظر المزيد من الدراسات التحليلية والمقارنات التاريخية. ومع استمرار أعمال المسح الأثري التي تقودها الكفاءات الوطنية، من المتوقع أن تكشف الأيام القادمة عن المزيد من الأسرار المخبأة بين صخور وجبال المملكة، لتستمر رحلة استنطاق الحجر ورواية قصة الإنسان على هذه الأرض الطيبة.


