في تطور سياسي وأمني لافت، تتجه الأنظار نحو مصير التهدئة في الشرق الأوسط بعد التطورات الأخيرة المتعلقة بمسار التفاوض. فقد كشف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن طهران تلقت رداً من واشنطن عبر الوسيط الباكستاني بشأن المقترح الإيراني الأخير المكون من 14 بنداً. ويبدو أن الرد الأمريكي الذي تعكف طهران على دراسته حالياً يميل نحو رفض الخطة الإيرانية، خاصة بعدما صرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب عبر منصة «تروث سوشيال» بأن العرض الإيراني «غير مقبول». وأوضح بقائي في مؤتمر صحفي أن الولايات المتحدة لا تتخلى بسهولة عن مطالبها التي وصفها بغير المعقولة، مشيراً إلى أن طهران تواجه طرفاً يغير مواقفه باستمرار، مما يعرقل أي مسار دبلوماسي.
وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن الأحاديث المتداولة حول تخصيب اليورانيوم في هذه المرحلة مجرد تكهنات، مشدداً على أن التركيز الحالي ينصب حصراً على الوقف الكامل لإطلاق النار وإنهاء حالة الحرب. وحمّل الجانب الأمريكي مسؤولية تباطؤ الجهود الدبلوماسية. ورغم هذه الأجواء المشحونة، أشار بقائي إلى استمرار المحادثات الثنائية مع سلطنة عمان بشأن بروتوكول المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي للاقتصاد العالمي. في المقابل، كانت هناك تسريبات حول مناقشات إيجابية، حيث ألمح ترمب في منشور سابق إلى أن المناقشات مع طهران قد تفضي إلى نتائج إيجابية للجميع، كما نقلت وسائل إعلام باكستانية عن مصادر مطلعة أن المفاوضات أحرزت تقدماً ملحوظاً قبل تسليم الرد الأخير الذي تضمن تعديلات أمريكية.
جذور التوتر الدبلوماسي ومسار المقترح الإيراني
لفهم التعقيدات التي تحيط بمصير المقترح الإيراني الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للعلاقات الأمريكية الإيرانية. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، دخلت العلاقات بين البلدين في نفق مظلم من العقوبات الاقتصادية القاسية والتوترات العسكرية المتبادلة. وقد سعت عدة أطراف دولية وإقليمية، مثل سلطنة عمان وقطر وباكستان، للعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. وتأتي هذه المبادرات الدبلوماسية المتكررة في محاولة لضبط إيقاع التخصيب النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، إلا أن انعدام الثقة بين الطرفين وتغير الإدارات الأمريكية والظروف الجيوسياسية المعقدة دائماً ما كانت تقف حجر عثرة أمام التوصل إلى تسوية مستدامة.
التداعيات الإقليمية والدولية لاحتمال انهيار الهدنة
يحمل تعثر المفاوضات الحالية أهمية كبرى وتأثيراً متوقعاً يمتد من النطاق المحلي إلى الإقليمي والدولي. على الصعيد الإقليمي، يثير رفض المبادرات الدبلوماسية مخاوف جدية من اشتعال جبهات متعددة في الشرق الأوسط، مما يهدد أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وهو ما سينعكس فوراً على أسواق الطاقة العالمية ويهدد برفع أسعار النفط بشكل حاد. دولياً، يضع هذا التعثر القوى الكبرى أمام تحديات أمنية واقتصادية جديدة، خاصة في ظل الأزمات العالمية الراهنة التي تتطلب استقراراً في إمدادات الطاقة.
وفي سياق متصل، ألقت هذه التطورات بظلالها على المشهد الإسرائيلي، حيث رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن وقف إطلاق النار أصبح في حالة غموض. ونقلت الصحيفة عن ترمب قوله إنه يدرس جميع الخيارات، متسائلاً عما إذا كان الحل يكمن في توجيه ضربة قوية أم التوصل إلى اتفاق. وتتصاعد التكهنات الإسرائيلية بعودة القتال، حيث ذكرت القناة 13 الإسرائيلية أن حالة التأهب داخل الجيش الإسرائيلي لا تزال قائمة تحسباً لأي تصعيد. كما نقلت صحيفة «معاريف» تقديرات عسكرية تفيد بأن واشنطن قد تقدم على تحرك عسكري «محدود» ضد أهداف داخل إيران للضغط عليها. وأفادت القناة 12 بأن إسرائيل تتهيأ لعدة سيناريوهات، غير مستبعدة خيار انهيار الهدنة الهشة، في حين أكد مسؤولون إسرائيليون كبار للقناة 14 أن العودة للقتال مع إيران تفرضها الوقائع، وأن المسألة ليست هل ستحدث؟ بل متى؟.


