مسار تشكيل الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي
دخل رئيس الوزراء العراقي المكلف، علي الزيدي، في أول اختبار سياسي معقد منذ تكليفه بمهمة تشكيل الحكومة العراقية، حيث تحولت عملية توزيع الحقائب الوزارية إلى ساحة شد حبال مبكرة بين القوى السياسية المختلفة. يأتي هذا في وقت يسعى فيه الزيدي لاستثمار الدعم الأمريكي غير المسبوق الذي حظي به لتعزيز موقفه وتثبيت أقدامه على الساحة الداخلية.
السياق التاريخي لنظام المحاصصة وتأثيره
لفهم حجم التحديات الحالية، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للعملية السياسية في البلاد منذ عام 2003. فقد بُني النظام السياسي العراقي على أساس “المحاصصة الطائفية والعرقية”، مما يجعل أي محاولة لتأليف كابينة وزارية عملية شاقة تستغرق أشهراً من المفاوضات المضنية. هذا الإرث التاريخي يفرض على أي رئيس وزراء مكلف إرضاء شبكة معقدة من الأحزاب والكتل التي تنظر إلى الوزارات كمصادر للنفوذ والتمويل، وليس كمؤسسات لخدمة المواطنين وإدارة شؤون الدولة.
العقدة الكردية وصراع الحقائب السيادية
وفي هذا السياق، كشفت زيارة الزيدي الأخيرة إلى أربيل والسليمانية عن جانب مهم من التعقيد الذي ينتظره. فبالرغم من إعلانه الحصول على دعم كردي واضح ونجاحه في إقناع الحزب الديمقراطي الكردستاني بإعادة نوابه إلى البرلمان الاتحادي، إلا أن الخلافات العميقة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين بشأن رئاسة الجمهورية وحكومة الإقليم مرشحة للانتقال بقوة إلى العاصمة بغداد.
ومع بدء مفاوضات تقاسم الوزارات، تبدو القوى الكردية حريصة أشد الحرص على تعزيز حصتها الحكومية. يتزامن ذلك مع محاولات مستميتة من قبل القوى الشيعية للحفاظ على قبضتها على الوزارات السيادية التي اعتادت إدارتها خلال الدورات البرلمانية السابقة، مما يضع الزيدي أمام معادلة صعبة لإرضاء جميع الأطراف دون الإخلال بهيكل الدولة.
هواجس واشنطن وموقف الإطار التنسيقي
على الجانب الآخر، تتعامل القوى العراقية، وخصوصاً داخل “الإطار التنسيقي”، بحذر شديد مع الصعود السياسي للزيدي. وقد أعاد الحديث عن مكالمة مطولة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والزيدي إحياء هواجس قوى الإطار، ولا سيما الفصائل القريبة من الأجنحة المسلحة. وتخشى هذه القوى من أن يتحول الغطاء الأمريكي إلى ورقة ضغط قوية لإعادة رسم توازنات السلطة في بغداد.
وطبقاً لمصادر سياسية عراقية مطلعة، فقد طالب قادة في الإطار التنسيقي الزيدي بتوضيح طبيعة تفاهماته مع واشنطن، خصوصاً بعد تسريب معلومات عن ضغوط أمريكية صريحة لتشكيل حكومة “خالية من الإرهاب”، وفقاً للتصنيف الأمريكي للفصائل المسلحة. ورغم محاولة الإطار احتواء الموقف عبر تشجيع الزيدي على إدارة العلاقة مع واشنطن بحذر، فإن القلق من النفوذ الأمريكي المتصاعد لا يزال حاضراً بقوة داخل المشهد الشيعي.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع للحكومة القادمة
تكتسب عملية تشكيل الحكومة في هذه المرحلة أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد على عدة أصعدة. محلياً، ينتظر الشارع العراقي حكومة قادرة على تقديم الخدمات الأساسية، مكافحة الفساد، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. أما إقليمياً ودولياً، فإن شكل الحكومة الجديدة سيحدد مسار العلاقات بين بغداد وواشنطن من جهة، وطبيعة التوازن مع النفوذ الإيراني من جهة أخرى. نجاح الزيدي في تشكيل حكومة متوازنة سيعزز من مكانة العراق كعنصر استقرار في الشرق الأوسط، بينما فشله قد يؤدي إلى انزلاق البلاد نحو أزمات سياسية وأمنية جديدة.
سباق الحصص ومستقبل التوافق السياسي
بالتزامن مع الدعم الذي تلقاه الزيدي من قوى مدنية وشخصيات سياسية، بدأت الأحزاب العراقية مبكراً سباق اقتناص الحقائب والمناصب. وتتصاعد المطالب بتدوير الوزارات واستحداث مناصب جديدة، بينها نواب لرئيس الوزراء، في محاولة لاستيعاب قيادات الأحزاب وإرضاء الكتل النافذة.
ومع اتساع رقعة هذه الضغوط، تبدو مهمة الزيدي أكثر تعقيداً يوماً بعد يوم. إذ يجد نفسه محاصراً بين ضرورة الحفاظ على التوازنات الداخلية الهشة والاستجابة لشروط الدعم الخارجي. هذه المعادلة المعقدة قد تحدد سريعاً ما إذا كان “شهر العسل” السياسي الذي يعيشه الزيدي حالياً سيستمر، أم أنه سينتهي قبل ولادة الحكومة المنتظرة.


