يشهد المشهد السياسي في العراق تطورات متسارعة، حيث يعقد تحالف «الإطار التنسيقي» اليوم الأحد في العاصمة بغداد، اجتماعات ماراثونية ومهمة لمناقشة آليات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. تأتي هذه التحركات المكثفة في ظل استمرار الخلافات السياسية العميقة بشأن توزيع المناصب الوزارية والحقائب السيادية، وذلك بعد التوافق الأولي على تولي الشخصية المستقلة علي الزيدي منصب رئاسة الوزراء، في خطوة تهدف إلى إنهاء حالة الانسداد السياسي التي عانت منها البلاد خلال الفترة الماضية.
جذور الأزمة السياسية ومخاض تشكيل الحكومة العراقية الجديدة
لم يكن مسار تشكيل الحكومات في العراق يوماً بالمهمة السهلة منذ التغييرات السياسية عام 2003، حيث تتسم العملية السياسية بتعقيدات مرتبطة بنظام التوافقات بين الكتل الكبرى. وبعد أشهر طويلة من الخلافات الحادة داخل أروقة أكبر الكتل البرلمانية، تم تكليف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة. يمثل هذا التكليف محاولة جادة لتجاوز العقبات التقليدية، خاصة وأن الزيدي لم يسبق له أن تولى منصباً سياسياً في العراق، مما يجعله مرشح تسوية يحظى بقبول نسبي. وتشير سيرته الذاتية إلى امتلاكه رصيداً متنوعاً من الخبرة القانونية والمالية والتنفيذية؛ فهو يحمل شهادة بكالوريوس في القانون، وبكالوريوس وماجستير في المالية والمصارف. كما أنه عضو في نقابة المحامين العراقيين، ويشغل حالياً رئاسة مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة التي تمتلك وتدير مجموعة من الشركات ذات الأنشطة المتعددة، بما فيها المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والطبية.
ملف الفصائل المسلحة: التحدي الأبرز أمام التوافق الوطني
كشفت مصادر مقربة من تحالف الإطار التنسيقي أن الاجتماعات السابقة والحالية تشهد نقاشات مكثفة ومعقدة بشأن ملف مشاركة الفصائل المسلحة ضمن التشكيلة الوزارية. وقد طُرحت رؤى متباينة بين الأطراف السياسية؛ إذ يدعو فريق إلى ضرورة إشراك هذه الفصائل ضمن الأطر السياسية الرسمية لضمان استقرار العملية السياسية، في حين يتمسك فريق آخر بضرورة الفصل التام بين العمل السياسي والعسكري لتأسيس دولة مؤسسات قوية. وتناول الاجتماع آليات سحب السلاح من هذه الفصائل أو إعادة تنظيمها ضمن مؤسسات الدولة الرسمية. وبرزت مقترحات تتضمن تسليم سلاح الفصائل لهيئة الحشد الشعبي باعتبارها مؤسسة أمنية رسمية تابعة للدولة، أو إخضاعها لإجراءات قانونية وإدارية صارمة تضمن حصر السلاح بيد الدولة، وهو الملف الذي لا يزال يمثل نقطة الخلاف الجوهرية ولم يُحسم بشكل نهائي حتى اللحظة.
التداعيات الاقتصادية والأمنية وتأثير الاستقرار إقليمياً
يُعد الاجتماع المرتقب استكمالاً لجولات سابقة من الحوارات التي لم تفضِ إلى حسم نهائي، ولكنه يأتي هذه المرة وسط ضغوط زمنية وسياسية وشعبية هائلة تدفع باتجاه تسريع عملية التشكيل. وتتصاعد التحديات الاقتصادية والأمنية في البلاد، مما يجعل الإسراع في إعلان التشكيلة الوزارية ضرورة قصوى لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. على الصعيد المحلي، سيؤدي نجاح هذه الخطوة إلى تهدئة الشارع العراقي وتفعيل عجلة التنمية. أما إقليمياً ودولياً، فإن استقرار العراق وتشكيل حكومة قادرة على بسط سيادة القانون يعزز من أمن منطقة الشرق الأوسط بأكملها. يُتوقع أن يركز الاجتماع الحالي على تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية، ووضع خارطة طريق واضحة المعالم ضمن المدد الدستورية المحددة، بما يشمل حسم ملف السلاح ودور الفصائل، إلى جانب الاتفاق على البرنامج الحكومي الشامل. وتفيد المعطيات بأن نتائج هذا الحراك قد تكون حاسمة في تحديد مسار المرحلة القادمة، وتسريع التوافق السياسي لولادة الحكومة بأسرع وقت ممكن.


