أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن إبرام عقد ضخم بقيمة تقارب 100 مليون دولار مع شركة “دومينو داتا لاب” المتخصصة في التكنولوجيا، في خطوة تهدف إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لنزع ألغام هرمز وتأمين الملاحة في أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم. يأتي هذا التعاقد كجزء من تحول استراتيجي أوسع تتبناه القوات الأمريكية للاعتماد على التقنيات المتقدمة لمواجهة التهديدات البحرية التقليدية بكفاءة وسرعة غير مسبوقة.
يمثل هذا العقد نقلة نوعية في أساليب الحرب البحرية، حيث يهدف إلى تسريع عملية رصد الألغام البحرية التي قد تهدد حركة الملاحة الدولية. وبحسب ما نقلت وكالة “رويترز”، فإن البرنامج الجديد سيمكن الغواصات المسيّرة من تعلم وتحديد أنواع جديدة من الألغام في غضون أيام قليلة، وهي مهمة كانت تستغرق في السابق شهوراً طويلة وتتطلب جهداً بشرياً كبيراً.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي في قلب التوترات
يكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز، الذي يُعد بمثابة عنق الزجاجة لأكثر من خُمس إمدادات النفط العالمية. لطالما كان المضيق مسرحاً للتوترات الجيوسياسية، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران، التي هددت مراراً بإغلاقه رداً على العقوبات أو أي عمل عسكري محتمل. إن زرع الألغام البحرية، حتى لو كان محدوداً، يمكن أن يؤدي إلى شل حركة ناقلات النفط، مما يتسبب في ارتفاع هائل في أسعار الطاقة العالمية ويعرقل الاقتصاد العالمي. وبالتالي، فإن امتلاك القدرة على إزالة هذه الألغام بسرعة وفعالية لا يعد مجرد إجراء عسكري، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الأسواق الدولية.
ثورة تكنولوجية: كيف يساهم الذكاء الاصطناعي لنزع ألغام هرمز في تغيير قواعد اللعبة؟
تقليدياً، كانت عمليات إزالة الألغام البحرية بطيئة ومحفوفة بالمخاطر، وتعتمد بشكل كبير على كاسحات الألغام والغوّاصين البشر. لكن العقد الجديد مع “دومينو داتا لاب” يهدف إلى تغيير هذه المعادلة. أوضح توماس روبنسون، المسؤول في الشركة، أن مهمة رصد وإزالة الألغام انتقلت من اختصاص السفن إلى اختصاص الذكاء الاصطناعي. البرنامج الجديد يدمج البيانات الواردة من مختلف أجهزة الاستشعار، ويسمح للبحرية بمراقبة أداء نماذج الكشف التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في الميدان، وتحديد أي إخفاقات وتصحيحها لتحسين الأداء بشكل مستمر. السرعة هي العامل الحاسم هنا؛ فبدلاً من استغراق ستة أشهر لتحديث نماذج الذكاء الاصطناعي للتعرف على لغم جديد، يمكن الآن إنجاز المهمة في أيام. هذا يعني أنه يمكن تدريب مركبة مسيّرة تحت الماء على الألغام الروسية في بحر البلطيق، ثم نشرها في مضيق هرمز لتكون جاهزة لرصد الألغام الإيرانية في غضون أسبوع واحد فقط، بدلاً من عام كامل.
أبعاد استراتيجية وتأثير يتجاوز الإقليم
لا يقتصر تأثير هذه الصفقة على تأمين مضيق هرمز فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً استراتيجية أوسع. فعلى الصعيد الإقليمي، يبعث هذا التطور برسالة ردع واضحة لأي جهة قد تفكر في استخدام الألغام البحرية لتهديد الملاحة، مؤكداً على التفوق التكنولوجي الأمريكي. كما أنه يطمئن حلفاء واشنطن في المنطقة بشأن التزامها بأمن الخليج. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه التقنية سيشكل نموذجاً يمكن تطبيقه في ممرات مائية حيوية أخرى حول العالم تشهد توترات مماثلة. إن استثمار البنتاغون في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد صفقة شراء، بل هو جزء من رؤية مستقبلية للجيش الأمريكي تهدف إلى الحفاظ على تفوقه من خلال تسخير قوة التكنولوجيا لتقليل المخاطر على العنصر البشري وزيادة سرعة الاستجابة وفعاليتها في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.


