تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية حالة من الجمود المحفوف بالمخاطر، حيث يقف الطرفان في منطقة رمادية بين المواجهة المباشرة والتسوية الدبلوماسية. يمكن النظر إلى هذا التجمد في المسار التفاوضي من زاويتين؛ الأولى تعتبره مؤشراً حاسماً على اقتراب المواجهة العسكرية، بينما تراه الثانية مجرد مرحلة من مراحل إدارة الصراع، حيث تُستخدم الدبلوماسية كامتداد للتكتيكات العسكرية وليست بديلاً عنها. ومنذ توقف المحادثات، دخلت العلاقة في نمط متكرر يمكن وصفه بـ “التصعيد المحسوب”، حيث يرفع كل طرف سقف مطالبه وضغوطه دون الوصول إلى نقطة اللاعودة، مما يبقي المنطقة والعالم في حالة ترقب دائم.
جذور التوتر: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغوط القصوى
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عقود من انعدام الثقة، لكنها تفاقمت بشكل كبير بعد الانسحاب الأمريكي أحادي الجانب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في عام 2018. كان هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه عام 2015، تتويجاً لسنوات من الدبلوماسية متعددة الأطراف، وهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية. إلا أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب اعتبرته غير كافٍ، وفرضت سياسة “الضغوط القصوى” التي شملت عقوبات اقتصادية غير مسبوقة بهدف شل الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية. ورداً على ذلك، بدأت إيران في التراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية، مما زاد من تعقيد المشهد ورفع منسوب التوتر.
لعبة عض الأصابع وتأثيرها على العلاقات الأمريكية الإيرانية
في هذا السياق، يبدو تجميد المفاوضات الحالية أقرب إلى أداة ضغط متبادل. تدرك واشنطن أن أي تنازل دون مقابل ملموس قد يُفسَّر على أنه ضعف، خاصة في بيئة سياسية داخلية حساسة. في المقابل، ترى طهران أن صمودها في وجه العقوبات، رغم تكلفته الاقتصادية الباهظة، يمنحها أوراق قوة تفاوضية. وتتمسك إيران بورقة السيطرة على مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات النفط العالمية. وقد طرحت طهران مؤخراً مقترحاً من ثلاث مراحل، يبدأ بوقف إطلاق النار بضمانات دولية، ثم رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية مقابل فتح مضيق هرمز، وأخيراً مناقشة ملف البرنامج النووي. لكن هذا المقترح قوبل بالرفض من قبل واشنطن، وفقاً لمسؤولين أمريكيين، مما يؤكد الهوة الواسعة بين مواقف الطرفين.
تداعيات إقليمية ودولية
إن حالة “لا حرب ولا سلام” بين واشنطن وطهران تلقي بظلالها على استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فالتوترات تغذي الصراعات بالوكالة في دول مثل اليمن وسوريا والعراق، كما تضع دول الخليج في حالة تأهب مستمر. وعلى الصعيد الدولي، يهدد أي تصعيد في مضيق هرمز استقرار أسواق الطاقة العالمية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. ورغم أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران لا يبدو أنهما يملكان حافزاً حقيقياً لحرب شاملة – نظراً للتفوق العسكري الأمريكي الساحق من جهة، والتكلفة السياسية والاقتصادية الباهظة لمثل هذه الحرب على الطرفين من جهة أخرى – فإن تراكم التوترات والحشد العسكري الأمريكي بالقرب من إيران يرفع من احتمالية الانزلاق إلى مواجهة عن طريق الخطأ أو سوء التقدير. ولهذا السبب، تلعب الوساطات الإقليمية والدولية دوراً حاسماً في فتح قنوات خلفية لتخفيف التوتر ومنع الانهيار الكامل.


