جهود حقوقية مكثفة لمحاسبة فادي صقر
في خطوة جديدة نحو تحقيق العدالة لضحايا الحرب السورية، تعمل هيئات حقوقية سورية على إعداد ملف قضائي شامل ضد فادي صقر، القائد السابق لمليشيا “قوات الدفاع الوطني” الموالية لنظام الأسد، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وتأتي هذه التحركات في أعقاب التغيرات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا، والتي فتحت الباب أمام إمكانية محاسبة كبار المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت على مدى أكثر من عقد من الزمن. وتتركز الجهود الحالية على جمع الأدلة والشهادات التي تدين صقر وتثبت تورطه المباشر أو عبر سلسلة القيادة في فظائع، أبرزها مجزرة حي التضامن في دمشق.
خلفية الصراع ودور المليشيات الموالية
لفهم حجم الاتهامات الموجهة لصقر، لا بد من العودة إلى سياق الحرب السورية التي اندلعت في عام 2011. مع تحول الاحتجاجات السلمية إلى نزاع مسلح، اعتمد نظام بشار الأسد بشكل كبير على تشكيل مليشيات مساندة للجيش النظامي، عُرفت باسم “قوات الدفاع الوطني”. تأسست هذه القوات رسميًا في عام 2012، وضمت متطوعين محليين تم تسليحهم وتدريبهم، وسرعان ما أصبحت أداة رئيسية في قمع المعارضة وتنفيذ عمليات عسكرية وحشية في مختلف أنحاء البلاد. برز فادي صقر كأحد أبرز قادة هذه المليشيات في دمشق، واكتسب سمعة سيئة بسبب القوة المفرطة والانتهاكات التي ارتكبتها القوات تحت إمرته، والتي شملت القتل الجماعي، والإخفاء القسري، والتعذيب الممنهج.
مجزرة التضامن: وصمة عار تلاحق مرتكبيها
تعتبر مجزرة حي التضامن، التي وقعت في أبريل 2013، واحدة من أكثر الجرائم توثيقًا ووحشية في النزاع السوري. تم الكشف عن تفاصيلها المروعة من خلال مقاطع فيديو مسربة أظهرت عناصر من المليشيات وهم يقتادون عشرات المدنيين معصوبي الأعين إلى حفرة قتل جماعي ويطلقون عليهم النار بدم بارد. ورغم أن صقر نفى علمه المسبق بالمجزرة، فإن شهادات الناشطين والناجين، بالإضافة إلى تقارير بحثية معمقة، تشير إلى أن مثل هذه العملية الواسعة النطاق لم تكن لتتم دون علمه وموافقته، كونه القائد المسؤول عن القطاع. وقد زادت هذه القضية من الضغط الشعبي والحقوقي لمحاسبته، خاصة بعد اعتقال أمجد يوسف، أحد المتورطين الرئيسيين الذين ظهروا في الفيديو، مما أعاد تسليط الضوء على ضرورة ملاحقة جميع المسؤولين في تسلسل القيادة.
أهمية المحاسبة في مستقبل سوريا
تمثل هذه التحركات القضائية أهمية قصوى على الصعيدين المحلي والدولي. فعلى المستوى المحلي، تعد خطوة أساسية في مسار العدالة الانتقالية وبناء الثقة في المؤسسات الجديدة. فبالنسبة لملايين السوريين الذين عانوا من ويلات الحرب، فإن رؤية مرتكبي الجرائم يواجهون العدالة هي شرط لا غنى عنه لتحقيق المصالحة الوطنية ومنع تكرار مثل هذه الفظائع. أما على الصعيد الدولي، فإن محاكمة شخصيات مثل فادي صقر تعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب وتؤكد أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. إن نجاح هذه الجهود قد يشكل سابقة تاريخية مهمة، ويرسل رسالة واضحة إلى جميع مرتكبي الانتهاكات حول العالم بأن العدالة قد تتأخر، لكنها قادمة لا محالة.


