أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية عن بدء تطبيق المرحلة الثانية من برنامج نطاقات المطور، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز مشاركة الكوادر الوطنية في سوق العمل. تستهدف هذه المرحلة، التي تمتد لثلاث سنوات، توفير أكثر من 340 ألف فرصة عمل للمواطنين والمواطنات في القطاع الخاص، مما يشكل دفعة قوية لجهود التوطين ويعزز استدامة سوق العمل بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.
ويأتي هذا الإعلان كجزء من مسيرة طويلة من الإصلاحات في سوق العمل السعودي. فمنذ إطلاق برنامج “نطاقات” في نسخته الأولى عام 2011، عملت الحكومة على تحفيز منشآت القطاع الخاص لتوظيف السعوديين عبر تصنيفها في نطاقات ملونة (أحمر، أصفر، أخضر، بلاتيني) بناءً على نسب التوطين المحققة. ومع تطور الاقتصاد السعودي وتزايد أعداد الخريجين، برزت الحاجة إلى تطوير البرنامج لضمان توطين حقيقي ومستدام يتجاوز مجرد تحقيق الأرقام.
نحو توطين حقيقي ومستدام: ما هو برنامج نطاقات المطور؟
يُعد برنامج نطاقات المطور تحديثاً شاملاً للآلية السابقة، حيث يربط نسب التوطين المطلوبة بعدة متغيرات ديناميكية بدلاً من الاعتماد على نسبة ثابتة. من أبرز هذه المتغيرات حجم المنشأة، والنشاط الاقتصادي الذي تزاوله، وموقعها الجغرافي. يهدف هذا التطوير إلى خلق توازن في سوق العمل ومعالجة التحديات السابقة، مثل التوطين الشكلي أو الوهمي، من خلال تطبيق معايير أكثر دقة وصرامة.
وأوضح خبراء في الموارد البشرية أن تراجع العديد من المنشآت إلى “النطاق الأحمر” بعد تطبيق المعايير الجديدة يعود إلى إعادة احتساب نسب التوطين بدقة أكبر. فالتحديثات الجديدة تربط الأجور المسجلة للموظف السعودي ببيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وتعتمد فقط على الموظفين بدوام كامل في احتساب النسبة، مما يغلق الباب أمام محاولات التحايل التي كانت تعتمد على تسجيل موظفين برواتب متدنية أو بدوام جزئي لرفع نسبة التوطين شكلياً.
معايير جديدة لفرص عمل نوعية
يرتكز نجاح البرنامج المطور على مجموعة من الإجراءات التصحيحية التي تضمن جودة الوظائف واستدامتها. فإلى جانب ربط الأجور بالتأمينات الاجتماعية، شددت الوزارة على ضرورة رفع الحد الأدنى للأجور المحتسبة في نسب التوطين، مما يضمن توفير وظائف لائقة وجاذبة للسعوديين. كما تعمل الوزارة على تعزيز التكامل الرقمي بين مختلف الجهات الحكومية لكشف أي محاولات للتحايل، وتكثيف الزيارات التفتيشية الذكية لضمان التزام المنشآت بالأنظمة.
إن هذه الخطوة لا تهدف فقط إلى زيادة أعداد الموظفين السعوديين، بل إلى إحداث تغيير نوعي في ثقافة التوظيف بالقطاع الخاص. فعبر ربط الحوافز الحكومية باستدامة الوظائف وجودتها، تشجع الوزارة الشركات على الاستثمار في تدريب وتطوير الكوادر الوطنية لتصبح عنصراً فاعلاً في نمو المنشأة، بدلاً من كونها مجرد رقم في سجلات التوطين.
تداعيات النطاق الأحمر: عقوبات وحوافز للمنشآت
يفرض الوقوع في النطاق الأحمر قيوداً صارمة على المنشآت غير الملتزمة، حيث يتم إيقاف العديد من الخدمات الأساسية التي تقدمها الوزارة، مثل خدمة نقل العمالة، وتغيير المهن، وإصدار تأشيرات عمل جديدة، وتجديد رخص العمل للعمالة الوافدة. هذه الإجراءات تهدف إلى دفع تلك المنشآت لتصحيح أوضاعها وتحسين نسب التوطين لديها للعودة إلى النطاقات الآمنة (الأخضر والبلاتيني).
في المقابل، تحظى المنشآت الملتزمة والمتميزة في النطاقات العليا بكامل الخدمات التشغيلية والمزيد من الحوافز، مما يخلق بيئة تنافسية إيجابية تشجع على توظيف المواطنين وتدعم نمو الاقتصاد الوطني بشكل مستدام، وتحقق الأهداف الاستراتيجية للمملكة في بناء اقتصاد مزدهر يعتمد على سواعد أبنائه.


