تصعيد خطير يهز العاصمة المالية
دخلت مالي مرحلة جديدة من عدم اليقين بعد يومين من الاشتباكات العنيفة التي ضربت قلب العاصمة باماكو ومدينة كاتي، التي تُعتبر المعقل الرئيسي للمجلس العسكري الحاكم. هذه الهجمات، التي بلغت ذروتها باغتيال وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا في هجوم تبنته جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، تمثل تصعيداً خطيراً في الأزمة الأمنية في مالي المستمرة منذ سنوات، وتكشف عن هشاشة الوضع الأمني حتى في أكثر المناطق تحصيناً. وبينما خيّم هدوء حذر على المشهد الميداني، تصاعدت مؤشرات الارتباك داخل هرم السلطة، خاصة مع غياب زعيم المجلس العسكري، العقيد آسيمي غويتا، عن الظهور العلني، مما يثير تساؤلات حول تماسك القيادة وقدرتها على إدارة الأزمة الراهنة.
جذور الصراع: من تمرد 2012 إلى الانقلابات العسكرية
لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى جذورها الممتدة منذ عام 2012، عندما اندلع تمرد للطوارق في شمال البلاد سرعان ما استغلته جماعات جهادية متطرفة للسيطرة على مساحات شاسعة. ورغم التدخل العسكري الفرنسي (عملية سيرفال) الذي أدى إلى طرد هذه الجماعات من المدن الرئيسية، إلا أنها أعادت تنظيم صفوفها وانتشرت في المناطق الريفية بوسط وجنوب البلاد، متبعة تكتيكات حرب العصابات. تفاقم الوضع مع سلسلة من الانقلابات العسكرية بدأت في أغسطس 2020، والتي أطاحت بالحكومة المدنية المنتخبة. برر قادة الانقلاب، وعلى رأسهم العقيد غويتا، تحركهم بفشل السلطات في احتواء التدهور الأمني، ووعدوا باستعادة سيادة الدولة. لكن الهجمات الأخيرة تظهر أن التحدي الأمني لا يزال قائماً، بل ويتخذ أبعاداً أكثر تعقيداً وخطورة، مقوضاً شرعية المجلس العسكري القائمة على الوعود الأمنية.
تحالفات جديدة وتداعيات إقليمية في ظل الأزمة الأمنية في مالي
ما يزيد من خطورة الموقف هو التطور النوعي في طبيعة التهديدات، والذي يتجلى في ظهور تحالف غير مسبوق بين جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بالقاعدة، والمتمردين الطوارق المنضوين تحت “جبهة تحرير أزواد”. هذا التقاطع بين الأجندات الجهادية والانفصالية يضع الدولة المالية أمام معادلة معقدة، حيث يجمع خصومها بين الخبرة القتالية والمعرفة الجغرافية العميقة بمناطق شمال البلاد. يأتي هذا في وقت أعاد فيه المجلس العسكري توجيه تحالفاته الدولية، حيث قلص النفوذ الفرنسي والأوروبي بشكل كبير، وانفتح على شراكة استراتيجية وعسكرية مع روسيا. اغتيال الجنرال كامارا، الذي يُعتبر مهندس هذا التحول نحو موسكو وأحد أبرز أركان النظام، يمثل ضربة استراتيجية قاصمة للمجلس العسكري. هذه التطورات لا تؤثر على مالي وحدها، بل تهدد بزعزعة استقرار منطقة الساحل بأكملها، التي تشهد أوضاعاً هشة في دول الجوار مثل بوركينا فاسو والنيجر.


