في تصريحات حاسمة، أكد الرئيس اللبناني ميشال عون موقفه الثابت من المفاوضات الجارية مع الجانب الإسرائيلي، مشدداً على أنه لن يقبل بأي حال من الأحوال التوصل إلى “اتفاقية ذل مع إسرائيل”. وأوضح عون أن الهدف الأسمى لهذه المحادثات هو إنهاء حالة الحرب القائمة منذ عقود، على غرار اتفاقية الهدنة التاريخية، نافياً بشكل قاطع أن تكون هذه الخطوة “خيانة” للثوابت الوطنية اللبنانية. جاءت تصريحات الرئيس عون خلال استقباله وفداً من حاصبيا والعرقوب، حيث دافع عن مسار التفاوض باعتباره ضرورة لحماية سيادة لبنان وحقوقه.
وأضاف الرئيس عون أن الخيانة الحقيقية هي التي يرتكبها “من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية”، مؤكداً أن واجبه كرئيس للجمهورية هو تحمل مسؤولياته وقيادة البلاد نحو الخلاص ضمن الثوابت الوطنية التي أقسم على حمايتها.
خلفية تاريخية: من الصراع إلى طاولة المفاوضات
تعود جذور الصراع بين لبنان وإسرائيل إلى عام 1948، حيث لا يزال البلدان رسمياً في حالة حرب. ورغم توقيع اتفاقية هدنة عام 1949، شهدت الحدود بينهما جولات متعددة من العنف والحروب، أبرزها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحرب يوليو 2006. وقد جاءت المفاوضات الأخيرة، التي تتم بوساطة أمريكية ورعاية من الأمم المتحدة، في سياق مختلف، حيث تتركز بشكل أساسي على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. ويكمن جوهر النزاع في منطقة بحرية تبلغ مساحتها حوالي 860 كيلومتراً مربعاً، يُعتقد أنها غنية بالغاز الطبيعي والنفط، مما يمنح هذه المفاوضات بعداً اقتصادياً استراتيجياً بالغ الأهمية للبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة.
أبعاد المفاوضات وأهميتها الاستراتيجية
تكتسب هذه المفاوضات أهمية كبرى على الصعيدين المحلي والإقليمي. فعلى المستوى المحلي، يمكن أن يؤدي التوصل إلى اتفاق إلى تمكين لبنان من البدء في عمليات التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية في مياهه الإقليمية، مما قد يشكل رافعة أساسية لإنقاذ اقتصاده المنهار. أما على الصعيد الإقليمي، فتأتي هذه المحادثات في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة، بما في ذلك توقيع بعض الدول العربية “اتفاقيات أبراهام” مع إسرائيل. ورغم تأكيد لبنان أن هذه المفاوضات تقنية بحتة ولا علاقة لها بالتطبيع السياسي، إلا أنها تمثل قناة تواصل نادرة ومباشرة بين دولتين عدوتين، مما يفتح الباب أمام احتمالات خفض التصعيد على واحدة من أكثر الجبهات توتراً في الشرق الأوسط.
موقف عون من الانتقادات الداخلية بشأن أي اتفاقية مع إسرائيل
ورداً على الانتقادات الداخلية التي وُجهت لمسار التفاوض بحجة غياب الإجماع الوطني، تساءل الرئيس عون: “هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟”. وأشار إلى أن بعض الأطراف بدأت بتوجيه سهام الانتقاد والتخوين حتى قبل بدء المفاوضات، داعياً إياهم إلى انتظار النتائج والحكم عليها. وأكد عون أن الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، سواء في بيروت أو واشنطن، هو موقف واحد وثابت، وأن أي تصريحات أخرى لا تمثل لبنان. وشدد على أن لبنان أبلغ الجانب الأمريكي، كوسيط، بضرورة وقف إطلاق النار كخطوة أولى لأي مفاوضات، وهو ما ورد بوضوح في بيان الخارجية الأمريكية الذي أكد أن إسرائيل لن تقوم بأي عمليات هجومية ضد أهداف لبنانية براً وبحراً وجواً.


