تتجه أنظار العالم مرة أخرى إلى العاصمة الباكستانية، حيث تُعقد آمال كبيرة على الجولة الثانية من مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية تهدف إلى نزع فتيل أزمة تهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ومع وصول الوفدين الأمريكي والإيراني، وعلى رأسه وزير الخارجية الإيراني، سادت حالة من التفاؤل الحذر بإمكانية تحقيق اختراق يضع حداً لحرب كلامية وتصعيد عسكري لا يرغب فيه أحد. لكن سرعان ما اصطدمت هذه الآمال بقرار السلطات الإيرانية رفض إجراء أي محادثات مباشرة مع الجانب الأمريكي، وهو ما يلقي بظلال من الشك على مستقبل هذه الجهود الدبلوماسية ويعيد تسليط الضوء على الانقسامات العميقة داخل القيادة الإيرانية.
خلفية متوترة: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى
لم يأتِ هذا التوتر من فراغ، بل هو نتاج سنوات من العلاقات المعقدة التي وصلت إلى نقطة حرجة بعد قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب أحادي الجانب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018. هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بشق الأنفس عام 2015، كان يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. لكن انسحاب واشنطن وإعادة فرضها عقوبات قاسية ضمن ما عُرف بسياسة “الضغط الأقصى”، دفع طهران إلى التراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية وتبني نهج أكثر تحدياً في المنطقة، خاصة في ممرات ملاحية حيوية كمضيق هرمز.
عقبات الحوار في ظل انقسامات الداخل الإيراني
يُظهر الموقف الإيراني الرافض للحوار المباشر في مفاوضات إسلام آباد وجود تضارب واضح في المواقف داخل هيكل السلطة في طهران. ففي حين يدلي مسؤولون مثل الرئيس ورئيس البرلمان ووزير الخارجية بتصريحات توحي بالرغبة في التهدئة وإيجاد حلول دبلوماسية لرفع الحصار الاقتصادي الخانق، يبدو أن التيار الأكثر تشدداً، والمتمثل في قادة الحرس الثوري، يفضل استمرار المواجهة والتصعيد. هذا الانقسام الداخلي لا يعرقل فقط الجهود الدبلوماسية الحالية، بل يثير تساؤلات حول قدرة القيادة الإيرانية على اتخاذ قرارات موحدة وحاسمة باسم الدولة، مما يضع مصداقيتها على المحك أمام المجتمع الدولي.
تداعيات إقليمية ودولية على المحك
إن فشل هذه المفاوضات لن يقتصر تأثيره على العلاقات الأمريكية-الإيرانية، بل ستكون له تداعيات واسعة النطاق. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي استمرار التصعيد إلى سباق تسلح خطير وزعزعة استقرار دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على أمن الملاحة في مضيق هرمز لتصدير النفط. أما دولياً، فإن أي مواجهة عسكرية في المنطقة ستؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة العالمية، مما سيؤثر سلباً على اقتصادات الدول الصناعية والنامية على حد سواء. وفي ظل خسارة إيران لمعظم قدراتها العسكرية التقليدية وتدهور اقتصادها، فإن استمرارها في سياسة حافة الهاوية يعد مغامرة غير محسوبة العواقب، قد تدفع بالمنطقة بأسرها نحو دمار لا تحمد عقباه، وتجعل من العودة إلى طاولة الحوار أمراً أكثر صعوبة وتعقيداً في المستقبل.


