آمال الدبلوماسية تتلاشى في إسلام آباد
تبخرت الآمال التي كانت معقودة على تحقيق اختراق دبلوماسي في ملف المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حيث شهدت الساحة السياسية تطورات متسارعة أدت إلى تعثر جهود الوساطة التي تقودها باكستان. وجاءت هذه الانتكاسة بعد مغادرة نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، العاصمة إسلام آباد بشكل مفاجئ، ليلحق بها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء زيارة كانت مقررة لوفد أمريكي رفيع المستوى إلى باكستان، مما يعيد التوترات بين واشنطن وطهران إلى الواجهة من جديد.
وكان عراقجي قد وصل إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الباكستانيين، من بينهم رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش الجنرال عاصم منير، في محاولة لتمهيد الطريق لحوار محتمل. إلا أن مغادرته بعد أقل من 24 ساعة، وتوجهه إلى مسقط، أشار إلى وجود عقبات كبيرة. وفي خطوة متزامنة، أعلن الرئيس ترامب في اتصال مع قناة “فوكس نيوز” أنه أوعز لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بعدم السفر إلى باكستان، معللاً قراره بأن رحلة تستغرق 18 ساعة لا تستحق العناء من أجل محادثات قد لا تكون مثمرة.
جهود الوساطة الباكستانية في سياق تاريخي معقد
تأتي محاولة الوساطة الباكستانية في ظل تاريخ طويل من العداء وانعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران، يعود إلى الثورة الإسلامية عام 1979. وقد وصلت التوترات إلى ذروتها بعد قرار إدارة ترامب عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة)، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران ضمن سياسة “الضغوط القصوى”. ومنذ ذلك الحين، سعت عدة دول، من بينها سلطنة عمان وقطر وسويسرا، للعب دور الوسيط لخفض التصعيد ومنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية في منطقة الخليج الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
وتسعى باكستان، التي تحافظ على علاقات مع كل من طهران وواشنطن، إلى تعزيز دورها كقوة استقرار إقليمية، مدركة أن أي صراع مباشر بين الطرفين سيكون له تداعيات كارثية على أمنها واقتصادها. إلا أن فشل هذه الجولة يسلط الضوء على عمق الخلافات وصعوبة بناء جسور الثقة بين الخصمين اللدودين.
تداعيات فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية على المنطقة
إن انهيار هذه المبادرة الدبلوماسية يحمل في طياته تداعيات تتجاوز حدود باكستان. فعلى الصعيد الإقليمي، يثير هذا الفشل مخاوف من عودة التوترات إلى منطقة الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز والأنشطة الإيرانية في المنطقة. كما أنه قد يدفع طهران إلى تسريع وتيرة برنامجها النووي، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني الدولي. ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤول باكستاني قوله إن بلاده تبذل قصارى جهدها لتسهيل التواصل المباشر، لكنه أقر بأنه “لا شيء مؤكد حتى الآن”، مشيراً إلى أن هناك مسائل جوهرية لا تزال بحاجة إلى حل.
من جانبه، صرح ترامب بلهجة حادة قائلاً: “نحن نملك كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا في أي وقت يريدون، لكنكم لن تقوموا بعد الآن برحلات تستغرق 18 ساعة للجلوس والحديث بلا جدوى”. هذا الموقف يعكس استراتيجية واشنطن التي تربط أي حوار بضرورة تقديم إيران تنازلات كبيرة أولاً، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع، مما يضع المنطقة بأكملها في حالة من الترقب الحذر لما ستؤول إليه الأيام القادمة.


