يقف العراق مرة أخرى على أعتاب أزمة قد تعصف باستقراره الهش، مع تصاعد المخاوف من الدخول في دوامة الفراغ السياسي في العراق. يأتي هذا القلق المتزايد مع اقتراب نهاية المهلة الدستورية المحددة لاختيار رئيس وزراء جديد، في ظل إخفاق “الإطار التنسيقي”، الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان، في حسم مرشحه للمنصب للمرة الثالثة على التوالي خلال أسبوع واحد. هذا التعثر لا يعكس مجرد خلاف على الأسماء، بل يكشف عن عمق الانقسامات وتضارب المصالح داخل القوى السياسية المهيمنة على المشهد.
وفقاً للمادة 76 من الدستور العراقي، يُكلّف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً من تاريخ انتخابه. ومع انتهاء هذه المهلة يوم الأحد، فإن الفشل في تقديم مرشح توافقي يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة، قد تؤدي إلى شلل مؤسسات الدولة وتأجيل معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية الملحة التي تواجه البلاد.
جذور الأزمة: إرث المحاصصة وصراع النفوذ
لم تكن أزمة تشكيل الحكومة وليدة اللحظة، بل هي امتداد طبيعي لنظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي تأسس في العراق بعد عام 2003. هذا النظام، الذي يهدف إلى توزيع السلطة بين المكونات الرئيسية، تحول مع مرور الوقت إلى آلية لتقاسم المغانم وتكريس نفوذ الأحزاب على حساب الدولة ومؤسساتها. وقد شهد العراق على مدار السنوات الماضية أزمات مشابهة، كان أبرزها الجمود السياسي الذي استمر لنحو عام كامل بعد انتخابات 2021، قبل أن يتم التوافق على حكومة محمد شياع السوداني في أكتوبر 2022.
الصراع الحالي داخل “الإطار التنسيقي”، الذي يضم قوى شيعية بارزة، هو في جوهره صراع على النفوذ وتحديد هوية المرحلة المقبلة. وبينما يتم تداول أسماء عدة مرشحين، مثل نوري المالكي ومحمد شياع السوداني وحيدر العبادي وغيرهم، فإن الخلاف يتجاوز الأشخاص ليشمل رؤى متباينة حول إدارة الدولة وعلاقات العراق الإقليمية والدولية.
تداعيات الفراغ السياسي في العراق على استقرار البلاد
إن الدخول في فراغ دستوري لا يمثل مجرد أزمة سياسية، بل يحمل في طياته تداعيات خطيرة على مختلف الأصعدة. على المستوى المحلي، يؤدي غياب حكومة كاملة الصلاحيات إلى تعطيل المشاريع الخدمية والاستثمارية، وتأخير إقرار الموازنة العامة، مما ينعكس سلباً على حياة المواطنين اليومية ويزيد من حالة السخط الشعبي. أمنياً، يمكن أن تستغل الجماعات المتطرفة حالة عدم الاستقرار لتنشط من جديد، كما قد تتصاعد التوترات بين الفصائل المسلحة المختلفة في ظل غياب سلطة مركزية قوية.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن عدم استقرار العراق يهدد بتأجيج التوترات في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني أصلاً من استقطابات حادة. لطالما كان العراق ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، وأي فراغ في السلطة يجعله أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، مما يعقد المشهد بشكل أكبر ويصعّب من مهمة أي حكومة قادمة في الحفاظ على سيادة البلاد واتخاذ قرارات مستقلة تخدم المصلحة الوطنية أولاً.


