في خطوة تعكس التحول الجذري الذي تشهده المملكة العربية السعودية، كشفت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية عن تحقيق قفزة نوعية في مسيرة توطين القطاع الصحي، حيث من المتوقع أن يتجاوز عدد الممارسين الصحيين السعوديين 460 ألف ممارس بحلول عام 2026. يأتي هذا الإنجاز ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى بناء كوادر وطنية مؤهلة لقيادة مستقبل الرعاية الصحية، تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة.
رؤية 2030: محرك رئيسي لـ توطين القطاع الصحي
لم تكن هذه الأرقام وليدة الصدفة، بل هي نتاج تخطيط استراتيجي طويل الأمد انطلق مع رؤية 2030، التي وضعت تطوير الكوادر البشرية الوطنية على رأس أولوياتها. تاريخياً، اعتمد القطاع الصحي في المملكة بشكل كبير على الخبرات الأجنبية لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات الصحية. إلا أن الرؤية الجديدة دشنت مرحلة مختلفة ترتكز على الاستثمار في رأس المال البشري السعودي، من خلال توسيع برامج التعليم والتدريب الطبي، ورفع جودة المخرجات، وخلق بيئة عمل جاذبة للكفاءات الوطنية في القطاعين العام والخاص. الهدف ليس فقط إحلال الكوادر الوطنية محل الأجنبية، بل بناء نظام صحي مستدام وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية بكفاءة واقتدار.
أرقام قياسية ونمو متسارع في التخصصات الحيوية
تُظهر البيانات الصادرة عن المركز الوطني لتخطيط القوى العاملة الصحية نمواً ملحوظاً في مختلف التخصصات. فمن المتوقع أن ترتفع نسبة الأطباء السعوديين من 31% في عام 2018 إلى 40% بحلول 2026، مع نمو لافت في أعداد الأطباء المصنفين بلغ 295% منذ عام 2015، مما يعكس تطور كفاءة الكوادر الوطنية في التخصصات الدقيقة. وشهد قطاع طب الأسنان نمواً استثنائياً، حيث تجاوز عدد الممارسين السعوديين 32 ألفاً، بنسبة نمو بلغت 357% منذ 2015. كما ارتفعت نسبة الصيادلة السعوديين من 32% إلى 52% خلال الفترة نفسها، بينما سجلت مهن العلوم الطبية التطبيقية أعلى نسب التوطين بواقع 87%، مدفوعة بتوسع التخصصات الداعمة للأنشطة التشخيصية والعلاجية.
تأثيرات استراتيجية تمتد إلى الأمن الصحي الإقليمي
إن نجاح خطط توطين القطاع الصحي يتجاوز أثره حدود توفير فرص العمل للمواطنين، ليمتد إلى أبعاد استراتيجية أكثر عمقاً. على الصعيد المحلي، يساهم الاعتماد على الكوادر الوطنية في تعزيز الأمن الصحي للمملكة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وضمان استمرارية تقديم الخدمات الصحية بأعلى جودة في مختلف الظروف. كما يسهم في رفع مستوى الرعاية الصحية من خلال فهم أعمق للاحتياجات الصحية والثقافية للمجتمع. إقليمياً، تضع هذه الجهود المملكة في مصاف الدول الرائدة في مجال التدريب والتأهيل الطبي، حيث ارتفع عدد مقاعد القبول في برامج البورد السعودي إلى 10,916 مقعداً تدريبياً في 2025، بنمو 202% مقارنة بعام 2018، مما يجعلها مركزاً جاذباً للكفاءات الصحية على مستوى المنطقة ويسهم في تبادل الخبرات والمعرفة.


