في خطوة تعكس التحولات العميقة في المشهد الجيوسياسي العالمي، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن توقيع ثلاث وثائق أمنية كبرى مع دول خليجية رئيسية تشمل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وتتمحور هذه الاتفاقيات حول صفقات طائرات مسيّرة متطورة، مع إمكانية إطلاق خطوط إنتاج مشتركة في المستقبل القريب، مما يمثل نقلة نوعية في علاقات كييف مع منطقة الشرق الأوسط.
يأتي هذا الإعلان في سياق سعي أوكرانيا الحثيث لتنويع شراكاتها الدفاعية وتأمين مصادر جديدة للدعم العسكري والتقني في ظل الحرب المستمرة. فبعد سنوات من الاعتماد على الدعم الغربي، تتجه كييف الآن إلى بناء علاقات استراتيجية مع قوى إقليمية مؤثرة، مستفيدة من خبرتها الميدانية الواسعة التي اكتسبتها في مواجهة واحدة من أكبر القوات العسكرية في العالم. لقد تحولت أوكرانيا إلى مختبر حقيقي لتقنيات الحرب الحديثة، خاصة في مجال الطائرات بدون طيار، التي أثبتت فعاليتها الحاسمة في تغيير موازين القوى على الأرض.
من ساحات المعارك إلى أسواق الخليج: الخبرة الأوكرانية كأصل استراتيجي
أوضح زيلينسكي، عبر حسابه على منصة “إكس”، أن هذه الاتفاقيات لن تقتصر على البيع المباشر، بل ستُترجم إلى عقود متعددة مع القطاعين العام والخاص في أوكرانيا. وأكد استعداد بلاده لتقديم خبراتها العسكرية المكتسبة من الميدان، إلى جانب بعثات تدريبية وبرمجيات متقدمة تهدف إلى دمج أنظمة التسليح المختلفة ضمن منظومة دفاعية موحدة. وأشار إلى أن الهدف الأسمى من هذه الشراكات هو تمكين الدول من تعزيز قدراتها الدفاعية وحماية سيادتها وأراضيها، وهو هدف مشترك تتفهمه كييف بعمق.
تكتسب هذه الصفقات أهمية خاصة لدول الخليج التي تسعى بدورها إلى تنويع مصادر تسليحها وتقليل الاعتماد على الحلفاء التقليديين. وتتوافق هذه الخطوة مع الاستراتيجيات الوطنية الطموحة، مثل رؤية السعودية 2030، التي تضع توطين الصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا على رأس أولوياتها. إن الحصول على تكنولوجيا الطائرات المسيّرة التي تم اختبارها في أقسى الظروف القتالية يوفر ميزة استراتيجية لا تقدر بثمن، ويتيح فرصة لبناء قدرات صناعية محلية متقدمة من خلال خطوط الإنتاج المشتركة المقترحة.
أبعاد استراتيجية لصفقات الطائرات المسيّرة
لم تكن هذه الاتفاقيات وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لجهود دبلوماسية مكثفة. ففي 27 مارس الماضي، شهدت مدينة جدة توقيع مذكرة ترتيبات بين وزارة الدفاع السعودية ونظيرتها الأوكرانية تتعلق بالمشتريات الدفاعية، وذلك خلال زيارة الرئيس زيلينسكي ولقائه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقد أسست تلك المذكرة قاعدة صلبة للانطلاق نحو تعاون أوسع يشمل نقل التكنولوجيا والاستثمارات الدفاعية المتبادلة. وأشاد زيلينسكي بالقدرات الدفاعية السعودية المتقدمة، مؤكداً أن التعاون بين الرياض وكييف “مفيد للطرفين” ويعزز الجاهزية لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، خاصة في مجال التصدي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المعادية.
يمثل هذا التقارب الأوكراني الخليجي تحولاً مهماً، حيث تبرز كييف ليس فقط كمتلقٍ للمساعدات، بل كشريك أمني قادر على تصدير تكنولوجيا وخبرات عسكرية فريدة. ومن المتوقع أن يكون لهذه الشراكات تأثير يتجاوز العلاقات الثنائية، ليرسم ملامح جديدة لخارطة التحالفات العسكرية في المنطقة، ويعزز من مكانة أوكرانيا كلاعب فاعل في سوق الصناعات الدفاعية العالمية.


