
لم تعد محافظة إب وسط البلاد مجرد بؤرة للقمع السياسي في منظومة الحكم الحوثي، بل تحولت إلى سوق سوداء تُباع فيها حرية الإنسان بالتقسيط. يعاني المعتقلون في اليمن، وتحديداً في هذه المحافظة، من انتهاكات جسيمة تُدار بمنطق العصابات والمافيا بعيداً عن أي سلطة قانونية. خلف أسوار المعسكرات والمرافق المدنية التي حُولت إلى زنازين، يرزح أكثر من 150 معتقلاً، بينهم ناشطون، معلمون، أطباء، وشباب، بينما تقف أسرهم على أبواب الوسطاء لدفع كل ما تملك مقابل وعود وهمية بالإفراج.
جذور القمع الممنهج وتحولات المشهد الأمني
تاريخياً، عُرفت محافظة إب بكونها “عاصمة السياحة اليمنية” ومدينة السلام الأخضر، إلا أن المشهد تغير جذرياً منذ الانقلاب الحوثي في أواخر عام 2014. فقد عملت الميليشيات على تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال منظومة أمنية غير رسمية تعمل خارج نطاق الرقابة القضائية والحقوقية. هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكمات من عسكرة الحياة المدنية وقمع أي أصوات معارضة. وكشفت مصادر حقوقية موثوقة عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية، شملت مرافق رياضية وثقافية كانت حتى وقت قريب مساحات عامة للمواطنين. ويقود هذه الحملات القمعية جهاز استخبارات الشرطة، الذي نفذ مؤخراً اعتقالات طالت أكثر من 40 شاباً، ليتجاوز إجمالي المحتجزين 150 شخصاً تحت ذرائع أمنية واهية.
آلة الاختطاف: كيف يُستهدف المعتقلون في اليمن؟
لا تعمل هذه المنظومة بشكل عشوائي، بل تستند إلى آلية قمعية باتت موثقة لدى المنظمات الحقوقية. فقد رصدت منصة “ضمير” نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي. يبدأ هذا المسار الثابت بعمليات الرصد والمراقبة الدقيقة، ليتصاعد إلى مداهمات ليلية مباغتة تنتهي باقتياد الضحايا إلى مواقع احتجاز سرية، مثل معسكر الحمزة ومقرات القوات الخاصة واللواء 55، دون أي أوامر قضائية. وتتصدر فئات المعلمين والناشطين المجتمعيين قائمة المستهدفين، حيث تتزامن حملات الاعتقال عمداً مع المناسبات الوطنية أو فترات تصاعد الغضب الشعبي، في مسعى استباقي لإجهاض أي حراك مدني قبل ولادته.
اقتصاد الرهائن وابتزاز الأسر بالتقسيط
الوجه الأكثر إيلاماً في هذه المأساة هو تحول ملف المحتجزين إلى مصدر دخل غير مشروع لقيادات أمنية حوثية. تُدار هذه العملية عبر شبكات وساطة منظمة تبتز أسر الضحايا، وتفرض عليها مبالغ مالية طائلة مقابل وعود بتسهيل الإفراج، والتي غالباً ما يتبين أنها مجرد أكاذيب مدفوعة الثمن. يُفرض على الأسر التزام الصمت التام وقطع أي تواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية، تحت تهديد تدهور أوضاع ذويهم في السجون. ويصف مراقبون هذا النهج بـ “نظام الرهائن المزدوج”، الذي يهدف إلى إسكات المعارضة سياسياً واستنزاف المجتمع مالياً.
التداعيات الإنسانية وقائمة العار الحقوقية
إن استمرار هذه الممارسات يترك تداعيات كارثية على النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلي، حيث تُدفع الأسر نحو الفقر المدقع لتأمين فدية أبنائها، مما يعمق الأزمة الإنسانية التي تعد الأسوأ عالمياً. وعلى الصعيد الحقوقي والدولي، يمثل هذا الملف انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. وفي مواجهة هذه الانتهاكات، أعلنت منصة “ضمير” عن “قائمة العار” التي تضم أسماء القيادات الحوثية المسؤولة مباشرة، وفي مقدمتهم مدير أمن المحافظة هادي الكحلاني، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس جهاز الأمن والمخابرات زيد المؤيد. تهدف هذه الخطوة إلى تمهيد الطريق للمساءلة القانونية الدولية مستقبلاً، وسط تصاعد الدعوات لإجراء تحقيق دولي مستقل يكفل وصول المراقبين إلى أماكن الاحتجاز، ويضمن الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المختطفين.


