أثارت التصريحات الأخيرة التي أطلقها الشاعر أدونيس جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والأدبية، وذلك بعد تفاعل عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع مقالة نقدية كتبها الدكتور عبدالله السفياني. المقالة التي نُشرت عبر منصة (إكس) جاءت كرد فعل على حوار مطول أجراه عراب الحداثة العربية في بودكاست “سؤال مشروع”، حيث انتقد السفياني ما اعتبره تراجعاً من أدونيس عن مبادئه التي أرساها في كتابه الشهير “الثابت والمتحول”.
جذور الخلاف حول الحداثة ومسيرة الشاعر أدونيس
لفهم أبعاد هذا السجال النقدي، يجب العودة إلى السياق التاريخي لمشروع الحداثة في الأدب العربي. يُعد الشاعر أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) واحداً من أبرز الأسماء التي قادت ثورة التجديد في الشعر العربي المعاصر منذ منتصف القرن العشرين. من خلال إسهاماته البارزة وتأسيسه لمنابر ثقافية طليعية، أسس لمرحلة جديدة تعتمد على كسر القوالب التقليدية وتجاوز السنن الموروثة، وهو ما تجلى بوضوح في أطروحته الفكرية “الثابت والمتحول”. في تلك المرحلة، كان الابتكار بالنسبة له يقترن بالهدم وإعادة البناء، مما مهد الطريق لظهور وتكريس “قصيدة النثر” كشكل أدبي متمرد على الأوزان الخليلية الصارمة.
ومع مرور العقود، شهدت الساحة الأدبية تحولات جذرية، حيث انخرط الكثيرون في تيار الحداثة معتبرين أن التجريب يفتح الباب على مصراعيه دون الحاجة إلى قيود أو معايير نقدية. هذا الانفتاح أدى، بحسب بعض النقاد، إلى استسهال الكتابة الشعرية وظهور نماذج تفتقر إلى العمق الفني، مما جعل رواد الحداثة الأوائل يواجهون تحدي تقييم مآلات المشروع الذي أطلقوه.
من الهدم إلى المعيار.. قراءة في تحولات المواقف
في مقالته التي حملت عنوان “من (الهدم) إلى صرخة (المعيار).. أدونيس في مواجهة أدونيس”، يرى الدكتور عبدالله السفياني أن المراجعة النقدية التي قدمها أدونيس مؤخراً تبدو في ظاهرها تصحيحية، لكنها في عمقها الحجاجي تضع مشروعه الحداثي بأكمله تحت مجهر المساءلة. استند السفياني إلى تصريحات أدونيس التي أبدى فيها امتعاضه من وجود “نوع من الفلتان والفوضى غير المقبولة على الإطلاق في تجربة قصيدة النثر”.
ويشير السفياني إلى مفارقة نقدية تتمثل في أن أدونيس نفسه كان من وضع حجر الأساس لهذا “الفلتان” حين اعتبر أن الابتكار يتطلب تجاوز القواعد. ويستنتج المقال أن أدونيس “المتأخر” يحاول اليوم استعادة “الثابت” المتمثل في القواعد والمبادئ، لمواجهة “المتحول” الذي خرج عن السيطرة وأنتج نصوصاً رديئة ملأت الصحف والمجلات الشعرية.
رد مقتضب وتأثيرات متوقعة على المشهد الثقافي
لم يتأخر رد الشاعر أدونيس على هذه القراءة النقدية، حيث صرح لصحيفة «عكاظ» بعبارة مقتضبة وحاسمة قائلاً: “كاتب هذه المقالة لا يعرف يقرأ”. ورغم قسوة العبارة، أردف أدونيس مؤكداً احترامه لوجهات النظر مهما كانت متناقضة، مشيراً إلى أنه لا يرى مشكلة في تباين الآراء، مما يعكس استمراره في تقبل الجدل كجزء أصيل من الحراك الثقافي.
يحمل هذا السجال أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على المشهد الثقافي المحلي والإقليمي، بل ويمتد صداه دولياً بين المهتمين بالأدب العربي. فهو يعيد فتح ملف “قصيدة النثر” ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشعر العربي ومعايير تقييمه. من المتوقع أن يُحفز هذا النقاش المؤسسات الأكاديمية والنقاد في العالم العربي على إعادة قراءة رواد الحداثة قراءة موضوعية، مما يساهم في إثراء المكتبة النقدية وتوجيه الأجيال الشابة من الشعراء نحو تجريب واعٍ يستند إلى معرفة عميقة بالتراث واللغة.


