في تطور ميداني بارز يعكس تحولاً في مسار العمليات العسكرية، تمكن الجيش السوداني من استعادة السيطرة الكاملة على منطقة مقجة الاستراتيجية الواقعة في ولاية النيل الأزرق. جاء هذا الإنجاز بعد عملية عسكرية نوعية ودقيقة نفذتها قوات الفرقة الرابعة مشاة، والتي أسفرت عن تكبيد قوات الدعم السريع خسائر فادحة في الأرواح والعتاد العسكري. وقد بثت القوات المسلحة مقاطع مصورة توثق انتشار عناصرها داخل البلدة، في رسالة ميدانية واضحة تؤكد عودة هيبة الدولة ومؤسساتها إلى هذه المنطقة الحيوية.
الأهمية الاستراتيجية وتأثير تقدم الجيش السوداني
تكتسب منطقة مقجة ثقلاً استراتيجياً استثنائياً نظراً لموقعها الجغرافي الحاكم؛ فهي تتحكم بشكل مباشر في الطريق الحيوي الرابط بين مدينة الكرمك الحدودية ومدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق. هذا الطريق يمثل شرياناً حيوياً للإمداد العسكري والتجاري، ولا يمكن للدولة التفريط فيه. إن سيطرة القوات المسلحة على هذه النقطة تعني إعادة رسم موازين النفوذ في جنوب شرق البلاد، وتأمين الحدود المتاخمة لإثيوبيا من عمليات التهريب وتسلل المليشيات، مما ينعكس إيجاباً على الأمن القومي والمحلي.
السياق التاريخي للنزاع في النيل الأزرق
لفهم أبعاد هذا الانتصار، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للنزاع في ولاية النيل الأزرق. عانت هذه الولاية لعقود من التوترات الأمنية وحركات التمرد المسلحة، مما جعل تضاريسها المعقدة مسرحاً لعمليات عسكرية متكررة. وفي مارس الماضي، سقطت منطقة مقجة في يد تحالف يُعرف باسم “تأسيس” بقيادة الدعم السريع، والذي تمدد آنذاك مستفيداً من تقاطعات المصالح مع فصائل من الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو. هذا التحالف المؤقت سمح للمليشيات بإحكام سيطرتها على الكرمك والتوغل في بلدات الولاية، قبل أن ينجح الجيش في قلب الطاولة واسترداد زمام المبادرة.
صمت مطبق وارتباك في صفوف الدعم السريع
في مشهد لافت يعكس حجم الصدمة، آثرت قوات الدعم السريع الصمت التام، ولم تُصدر أي تعليق رسمي أو بيان إعلامي حول خسارتها لمنطقة مقجة. هذه السابقة تكشف بوضوح عن حجم الارتباك والتخبط الذي خلفته العملية العسكرية في صفوفها، خاصة بعد تدمير آلياتها وسياراتها القتالية. ويتزامن هذا التراجع مع وضع دفاعي تجد المليشيا نفسها فيه على أكثر من جبهة قتالية في آنٍ واحد.
جبهة كردفان: معارك متزامنة وسباق مع الخريف
على الجبهة الغربية، لم تهدأ وتيرة المعارك في إقليم كردفان. فقد اشتعلت مواجهات متجددة إثر هجمات مباغتة شنها الجيش بمساندة “القوة المشتركة” على مواقع الدعم السريع جنوب مدينة الأبيض. وتشير التقارير الميدانية إلى أن المرحلة الأولى من هذه العمليات أفضت إلى انسحاب المليشيا من بلدات الرياش، كازقيل، والحمادي، رغم محاولاتها شن هجمات مضادة لاستعادة المبادرة وسط تضارب في الروايات حول النتائج النهائية.
الاستعداد لموسم الأمطار وتصريحات القيادة
على الصعيد القيادي، تتسارع الخطى لحسم المعارك قبل دخول شهر يونيو، وهو موعد انطلاق موسم الأمطار الخريفية الذي يُشكل فاصلاً تكتيكياً حاسماً يعيق حركة الآليات الثقيلة والعمليات البرية. وفي هذا السياق، تعهد مساعد القائد العام، الفريق ياسر العطا، بتحقيق انتصارات ميدانية كبرى قبل هذا الموعد. كما دافع العطا بقوة عن التعديلات الأخيرة التي أجراها رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، على هرم القيادة العسكرية، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية كيان وطني راسخ يعلو فوق الانتماءات الجهوية والقبلية، وأن المعايير المهنية والكفاءة هي الحاكم الوحيد في الترقيات والإعفاءات، وذلك لضمان تماسك القوات المسلحة في هذه المرحلة التاريخية الحرجة.


