أعلنت هيئة التراث في المملكة العربية السعودية عن نتائج استثنائية لأعمال التنقيب الأثري لموسم عام 2025، والتي نفذتها البعثة السعودية الصينية المشتركة في موقع السرين الأثري بمحافظة الليث. تأتي هذه الجهود الحثيثة ضمن استراتيجية الهيئة الشاملة لتوثيق المشهد الحضاري للموانئ الإسلامية التاريخية الممتدة على ساحل البحر الأحمر. وقد أثبتت هذه الاكتشافات أن الموقع لم يكن مجرد نقطة عبور عابرة، بل شهد نشاطاً حضارياً وتجارياً مزدهراً منذ القرن الثالث الهجري، مما يجعله أحد أهم المعالم التاريخية في المنطقة.
أهمية موقع السرين الأثري في تاريخ الجزيرة العربية
يحمل موقع السرين الأثري أهمية بالغة بالنظر إلى سياقه التاريخي والجغرافي. تاريخياً، يُعد البحر الأحمر شرياناً حيوياً للتجارة العالمية القديمة، وممراً رئيسياً لقوافل الحجاج والتجار. وقد لعبت مدينة السرين دوراً محورياً في ربط شبكات التجارة البحرية المعقدة بين شبه الجزيرة العربية، وسواحل شرق أفريقيا، ومختلف موانئ العالم الإسلامي. وما عزز من مكانة هذا الميناء هو موقعه الاستراتيجي الفريد عند مصب وادٍ موسمي، مما وفر بيئة طبيعية خصبة ومناسبة للاستيطان البشري المستدام، وسمح بتبادل الثقافات والسلع على نطاق واسع عبر قرون مضت.
تفاصيل الكشوفات المعمارية: وحدات سكنية ومسجد تاريخي
أسفرت أعمال التنقيب الدقيقة عن كشف امتدادات معمارية غاية في الأهمية، تعكس مدى التطور العمراني الذي بلغته المدينة. فقد تم العثور على وحدات سكنية متكاملة، ومرافق خدمية وتخزينية، بالإضافة إلى مواقد فخارية تقدم صورة حية لتفاصيل الحياة المعيشية اليومية لسكان المنطقة في تلك الحقبة. وإلى جانب ذلك، نجح الفريق في توثيق سور ضخم يحيط بالموقع من الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، مما ساهم في تقديم قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية والدفاعية. كما أظهرت الحفريات بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية، ولا تزال أعمال الدراسة والبحث فيه مستمرة، حيث من المتوقع أن تمتد للموسم القادم بهدف فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري للمدينة بشكل أدق وأشمل.
لقى أثرية نادرة تروي قصة التجارة العالمية
على صعيد اللقى الأثرية، تم توثيق مجموعة غنية ومتنوعة من المعثورات التي شملت قطعاً من الفخار، ومباخر، وأدوات حجرية، وخرزاً مصنوعاً من العقيق والزجاج. كما تم العثور على مواد عضوية تتضمن أصدافاً وعظاماً حيوانية تعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والغذائية للسكان. ومن أبرز المكتشفات التي أحدثت صدى واسعاً، العثور على جزء من جرة خزفية صينية تعود لعصر «سونغ الشمالية» (960 – 1127م). هذه القطعة النادرة تحمل بقايا ختم زخرفي برموز كتابية صينية، مما يعد شاهداً أثرياً قاطعاً على قوة الاتصال التجاري بين جنوبي الصين وسواحل البحر الأحمر. إن هذا الاكتشاف يحمل تأثيراً بالغاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية؛ فهو يبرز مكانة المملكة كمركز تقاطع للحضارات، ويعزز من القيمة السياحية والثقافية لمحافظة الليث، كما يقدم للمجتمع العلمي الدولي أدلة ملموسة حول مسارات طريق الحرير البحري القديم.
جهود مستدامة لاستكشاف التراث الوطني
تؤكد هذه الاكتشافات في موقع السرين الأثري على التزام هيئة التراث بمواصلة أعمالها الميدانية في المواسم المقبلة. وتهدف هذه الجهود المستمرة إلى بناء تصور علمي متكامل يبرز القيمة الحضارية لهذا الميناء التاريخي المهم. إن الكشف عن هذه الكنوز الدفينة لا يسهم فقط في إثراء السجل التاريخي للمملكة العربية السعودية، بل يعزز أيضاً من الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على التراث الوطني، ويدعم الرؤية الطموحة للمملكة في إبراز عمقها التاريخي والحضاري للعالم أجمع.


