في تصعيد مزدوج يجمع بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي، تكثف روسيا تحركاتها الاستراتيجية في أوكرانيا عبر توسيع نطاق سيطرتها الميدانية والتقدم نحو ما يعرف بـ «حزام الحصون» في إقليم دونباس. وبالتوازي مع هذه التحركات العسكرية، تلوح موسكو باستخدام الطاقة كسلاح جيوسياسي فعال، حيث برزت ورقة نفط كازاخستان كأداة ضغط رئيسية على أوروبا، وتحديداً عبر تهديد إمدادات الطاقة المتجهة إلى ألمانيا. تتشكل الآن ملامح مرحلة جديدة من الصراع، تظهر إصرار الكرملين على تحقيق أهدافه الاستراتيجية رغم الضغوط والعقوبات الغربية.
جذور الصراع وتوظيف الطاقة في الحروب الحديثة
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في أواخر فبراير 2022، سعت الدول الغربية إلى تقليص اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية لتقليل تمويل الآلة العسكرية لموسكو. في المقابل، لطالما استخدمت روسيا موقعها كقوة عظمى في مجال الطاقة للتأثير على القرارات السياسية الأوروبية. خط أنابيب «دروجبا» (الصداقة)، الذي بُني في الحقبة السوفيتية لنقل النفط إلى الحلفاء في أوروبا الشرقية، يعود اليوم ليتصدر المشهد. ورغم أن ألمانيا أوقفت استيراد النفط الروسي عبر هذا الخط التزاماً بالعقوبات، إلا أنها استمرت في الاعتماد عليه لاستيراد الخام من دول آسيا الوسطى. وهنا تبرز أهمية السيطرة الروسية على مسارات العبور، مما يمنحها القدرة على خنق الإمدادات البديلة متى شاءت.
التقدم الميداني الروسي في إقليم دونباس
على الصعيد الميداني، تؤكد موسكو أنها تواصل إحراز تقدم ملموس في شرق أوكرانيا. فقد أعلنت سيطرتها على مساحة تقدر بنحو 1700 كيلومتر مربع منذ بداية العام الجاري، بالإضافة إلى السيطرة على عشرات المناطق السكنية. ويتركز الهجوم الروسي حالياً على اختراق «حزام الحصون» في منطقة دونيتسك، وهي سلسلة من المدن المحصنة التي تعتمد عليها كييف دفاعياً. وتشير التقديرات الروسية إلى اقتراب قواتها من هذه المدن بمسافات محدودة. في المقابل، تقلل مصادر أوكرانية من حجم هذا التقدم، مشيرة إلى أن المساحات التي سيطرت عليها روسيا أقل بكثير، مع تأكيد كييف على أن القوات الروسية لم تحقق سوى مكاسب محدودة بتكلفة بشرية ومادية باهظة خلال الأشهر الماضية.
التداعيات الإقليمية والدولية لأزمة نفط كازاخستان
بالتوازي مع العمليات العسكرية، تلوح موسكو باستخدام الطاقة كسلاح جيوسياسي، حيث كشفت تقارير عن استعدادها لوقف إمدادات نفط كازاخستان المتجهة إلى ألمانيا عبر خط «دروجبا». تكمن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع في عدة مستويات؛ محلياً في ألمانيا، قد يؤدي قطع هذه الإمدادات إلى أزمة في مصافي التكرير الألمانية (مثل مصفاة شفيت) التي تعتمد على هذا الخام لتزويد مناطق واسعة بالوقود. إقليمياً، يرسل هذا التهديد رسالة تحذير إلى الدول الأوروبية بأن موسكو لا تزال تمتلك أوراق ضغط قادرة على إرباك أمن الطاقة الأوروبي. أما دولياً، فإن التلاعب بإمدادات الطاقة يثير مخاوف الأسواق العالمية من تقلبات في أسعار النفط. وتتزامن هذه التهديدات مع تحذيرات استخباراتية أوروبية من تلاعب موسكو ببياناتها الاقتصادية لإخفاء التأثير الحقيقي للعقوبات، مما يجعل المشهد أكثر تعقيداً ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.


