في ظل التطورات المتلاحقة والمشهد السياسي المعقد، برزت مساعٍ دولية حديثة لإنقاذ الموقف بعد تعثر التوصل إلى اتفاق نهائي في المحادثات التي انتهت مطلع الأسبوع الحالي في العاصمة المصرية القاهرة. وفي هذا السياق، أفصحت مصادر غربية مطلعة أن الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، قد قدم ورقة مقترحات جديدة للحركة تتضمن آليات مبتكرة لتنفيذ خطة السلام في غزة، تعتمد بشكل رئيسي على دمج المرحلتين الأولى والثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وحسب المصادر ذاتها، فإن الحركة تعكف حالياً على دراسة هذا المقترح بعناية، ومن المتوقع أن ترد عليه خلال فترة زمنية تتراوح بين أسبوع إلى أسبوعين.
الجذور التاريخية للصراع ومساعي التهدئة المستمرة
لم يكن تعثر محادثات القاهرة وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الصراع والوساطات المتكررة. على مدار العقود الماضية، شهد قطاع غزة جولات عديدة من التصعيد العسكري تلتها محاولات حثيثة من أطراف إقليمية ودولية، وعلى رأسها مصر وقطر والولايات المتحدة، لإرساء قواعد تهدئة مستدامة. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية الأخيرة في وقت يعاني فيه القطاع من أزمة إنسانية غير مسبوقة، مما يجعل التوصل إلى اتفاق شامل أمراً بالغ الأهمية لتجنب المزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والبنية التحتية.
تفاصيل المقترح الجديد والالتزامات المتبادلة
يشمل المقترح المطروح حالياً حزمة من الإجراءات التي لم تنفذها إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق غزة السابق. من أبرز هذه الإجراءات السماح بإدخال الكرفانات والخيام، وتوفير معدات إزالة الأنقاض، وضمان دخول ما معدله 600 شاحنة يومياً من المواد الإغاثية والسلع الأساسية، بالإضافة إلى فتح معبر رفح الحدودي في الاتجاهين لتسهيل حركة الأفراد والبضائع. كما تتضمن المرحلة الثانية من الاتفاق بنوداً حساسة تنص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية بشكل تدريجي.
التداعيات الإقليمية والدولية لنجاح خطة السلام في غزة
يحمل نجاح خطة السلام في غزة أبعاداً تتجاوز الحدود الجغرافية للقطاع. فعلى الصعيد المحلي، سيمهد الاتفاق الطريق لبدء عملية إعادة إعمار شاملة وعودة النازحين إلى مناطقهم، مما يخفف من وطأة المعاناة الإنسانية. إقليمياً، سيساهم إرساء الاستقرار في غزة في تخفيف التوترات الأمنية في الشرق الأوسط، ويعزز من دور الدول المجاورة في الحفاظ على الأمن القومي العربي. أما على الصعيد الدولي، فإن التوصل إلى تسوية سلمية سيشجع الدول المانحة والمجتمع الدولي على ضخ الاستثمارات والأموال اللازمة لعملية التعافي، ويقلل من احتمالات اتساع رقعة الصراع لتشمل جبهات أخرى.
موقف حماس بين المرونة والضمانات المطلوبة
خلال محادثات القاهرة، أبدت حركة حماس مرونة ملحوظة واستعداداً لنقل إدارة المؤسسات الحكومية في القطاع، بما في ذلك أجهزة إنفاذ القانون، إلى لجنة إدارة قطاع غزة الفلسطينية. ومع ذلك، لم توافق الحركة على بند نزع السلاح بشكل قاطع، معربة عن تشككها العميق في التزام إسرائيل بتطبيق الخطة، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب الشامل، ووقف سياسة الاغتيالات والاقتحامات، ورفع الحصار المفروض على القطاع منذ سنوات.
وأفاد مسؤول رفيع في حماس أن الحركة أبلغت الوسطاء والمبعوث الأمريكي باستعدادها للتعاون في إيجاد حل لملف “نزع السلاح”، شريطة أن يكون ذلك ضمن اتفاق وطني شامل يجمع كل الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة فتح. وطالبت حماس بضمانات دولية صارمة لإلزام إسرائيل بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. كما دعت إلى تسريع دخول اللجنة الوطنية الفلسطينية إلى قطاع غزة لاستلام مهامها، والبدء الفوري في تنفيذ خطة الإغاثة والتعافي.
بدائل نزع السلاح ومستقبل الإدارة في غزة
وفقاً لمصادر مطلعة، فإن حماس لن تقبل بنزع سلاحها بالكامل، لكنها قد تطرح مقترحات بديلة مثل تخزين السلاح تحت إشراف محدد، وهو الطرح الذي لا يزال يواجه رفضاً من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. ويتضمن المقترح الجديد تخلي حماس والفصائل عن كافة الصواريخ والأسلحة الثقيلة، وتفكيك ورش التصنيع والأنفاق الهجومية خلال فترة تمتد من 6 أشهر إلى عام. في المقابل، يُطلب من الفصائل تقديم ضمانات بوقف عمليات تهريب السلاح، أو التصنيع، أو حفر أنفاق جديدة لمدة لا تقل عن 10 سنوات.
ولضمان استدامة الاتفاق، اشتملت الورقة على ضمانات إسرائيلية بعدم العودة للحرب، والانسحاب الكامل، وتأمين جمع الأموال من الدول المانحة لإعادة الإعمار خلال خمس سنوات. وينص المقترح في نهايته على إدارة غزة لفترة انتقالية لا تزيد على عامين من قبل اللجنة الوطنية الفلسطينية بإشراف “مجلس السلام”، وصولاً إلى تحقيق هدف “سلطة فلسطينية واحدة” في الضفة الغربية وقطاع غزة، تحت مظلة “قانون واحد” و”سلاح شرعي واحد”، مما يمهد الطريق لإجراء انتخابات عامة تشارك فيها كافة الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس.


