حققت مبادرة شعبية أوروبية إنجازاً تاريخياً غير مسبوق، حيث تجاوزت حاجز المليون توقيع للمطالبة بـ تعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل. ووفقاً للبيانات الصادرة عن المفوضية الأوروبية والمنصة الرسمية لـ “مبادرة المواطنين الأوروبيين”، فقد بلغ عدد التوقيعات حتى 20 أبريل أكثر من 1.13 مليون توقيع. هذا الرقم يتجاوز بكثير الحد الأدنى المطلوب قانونياً والبالغ مليون توقيع صالح، مع استيفاء الشروط في أكثر من سبع دول أعضاء، بل وتجاوزت العتبة في 10 دول على الأقل في بعض التقارير.
السياق التاريخي والدوافع وراء المطالبة بـ تعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل
يُعد اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والذي دخل حيز التنفيذ رسمياً في عام 2000، الإطار القانوني الأساسي الذي يحكم العلاقات الثنائية بين الجانبين. يغطي هذا الاتفاق مجالات واسعة وحيوية تشمل التجارة الحرة، وخاصة تبادل المنتجات الزراعية والصناعية، بالإضافة إلى التعاون الوثيق في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا، وإرساء أسس الحوار السياسي المستمر. وتستفيد إسرائيل بشكل كبير من هذه الشراكة الاستراتيجية، لا سيما في قطاعات الأمن والتكنولوجيا المتقدمة. ومع ذلك، تنص المادة الثانية من هذا الاتفاق بوضوح على أن العلاقات بين الطرفين تعتمد على الاحترام المتبادل لحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية. بناءً على هذه المادة، انطلقت المبادرة الحالية التي يقودها “التحالف اليساري الأوروبي” بدعم واسع من منظمات المجتمع المدني والحركات المؤيدة للحقوق الفلسطينية، مستندة إلى تقارير أممية وأحكام صادرة عن محكمة العدل الدولية بشأن الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي وحقوق الإنسان، خاصة في قطاع غزة.
تحمل هذه المبادرة طابعاً رسمياً، إذ تم تسجيلها في 25 نوفمبر، وبدأت عملية جمع التوقيعات في 13 يناير. وتُعد هذه الحملة الأسرع نمواً في تاريخ آلية “مبادرة المواطنين الأوروبيين” منذ إطلاقها في عام 2012، حيث تمكنت من الوصول إلى العتبة المطلوبة خلال ثلاثة أشهر فقط. هذه الآلية الديمقراطية المباشرة تتيح للمواطنين الأوروبيين التأثير الفعلي على جدول أعمال الاتحاد الأوروبي، رغم أن نجاح المبادرات في الوصول إلى هذا الرقم يعد أمراً نادراً، وقليلاً ما أدى إلى تغييرات تشريعية فعلية في الماضي.
التداعيات المتوقعة والتأثير الإقليمي والدولي للقرار
تكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة في الوقت الراهن، حيث تعكس تحولاً ملموساً في الرأي العام الأوروبي تجاه الصراع في الشرق الأوسط. على الصعيد المحلي الأوروبي، تضع هذه المليون توقيع مؤسسات الاتحاد الأوروبي تحت ضغط شعبي وأخلاقي غير مسبوق لاتخاذ موقف حازم يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان التي يتبناها الاتحاد. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن مجرد مناقشة تعليق الاتفاقية يبعث برسالة سياسية قوية قد تؤثر على مسار العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين إسرائيل وشركائها الغربيين. وقد سبق أن ناقش الاتحاد الأوروبي إمكانية مراجعة أجزاء من الاتفاق أو تعليقها في ظل التصعيد المستمر في غزة منذ أكتوبر 2023، إلا أن الانقسام الحاد بين الدول الأعضاء حال دون اتخاذ قرار موحد.
فيما يخص الخطوات القادمة، وبعد الانتهاء من عملية التحقق من صحة التوقيعات من قبل السلطات الوطنية في الدول الأعضاء، وهي عملية تستغرق عادة حوالي ثلاثة أشهر، سيتم تقديم المبادرة بشكل رسمي إلى كل من المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي. وبموجب القانون، تلتزم المفوضية بمناقشة المطلب وإصدار رد رسمي يوضح الإجراءات التي تعتزم اتخاذها. ورغم أن المفوضية غير ملزمة قانوناً باتخاذ قرار فوري بالتعليق، إلا أن الزخم الشعبي الهائل يجعل من الصعب تجاهل المطلب. ويبقى القرار النهائي مرهوناً بتحقيق توافق سياسي بين الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي، وهو تحدٍ كبير في ظل التباين الحالي في المواقف السياسية.


