في مشهد سياسي وأمني معقد يجمع بين غموض عالم الاستخبارات وهواجس الأمن القومي، تتصاعد في العاصمة واشنطن أزمة غير مسبوقة تتمحور حول سلسلة من الوفيات وحوادث اختفاء علماء أمريكيين في ظروف غامضة. طالت هذه الظاهرة المروعة أحد عشر عالماً وباحثاً، معظمهم يحملون تصاريح أمنية رفيعة المستوى ويرتبطون ببرامج نووية وفضائية بالغة السرية. وفي هذا السياق، صرح الرئيس دونالد ترمب للصحفيين مؤخراً قائلاً: «آمل أن يكون الأمر عشوائياً، لكننا سنعرف الحقيقة خلال الأسبوع ونصف المقبلين. لقد غادرت للتو اجتماعاً حول هذا الموضوع، إنه أمر بالغ الخطورة». بهذه الكلمات، انتقلت القضية من مجرد تكهنات ونظريات مؤامرة إلى أروقة البيت الأبيض بشكل رسمي لتبدأ تحقيقات موسعة.
سجل حافل بالغموض: السياق التاريخي لحرب العقول
لفهم أبعاد هذه الأزمة، يجب النظر إلى السياق التاريخي لصراع الاستخبارات التكنولوجية. تاريخياً، لم تكن العقول العلمية الفذة بمنأى عن الاستهداف؛ فمنذ حقبة الحرب الباردة ومشروع مانهاتن السري، وصولاً إلى سباق الفضاء المحموم في القرن الماضي، كان العلماء الذين يمتلكون أسراراً حيوية هدفاً رئيسياً لعمليات التجسس والمراقبة. إن التنافس بين القوى العظمى على التفوق التكنولوجي والعسكري جعل من حماية هؤلاء الخبراء أولوية قصوى. وما نشهده اليوم قد يكون امتداداً حديثاً لما يُعرف بـ «حرب الهيمنة التكنولوجية»، حيث تسعى أطراف دولية إلى تحييد أو استقطاب الكفاءات التي تقود الابتكارات الاستراتيجية في مجالات الفضاء والطاقة النووية.
تفاصيل مرعبة حول موت واختفاء علماء أمريكيين
أعلن البيت الأبيض ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عن مراجعة شاملة لحالات 11 عالماً مرتبطين بأبحاث حساسة، توفوا أو اختفوا بين عامي 2023 و2026. تتوزع هذه الحصيلة المروعة بين 6 وفيات بالرصاص و5 اختفاءات كاملة. من أبرز الضحايا نونو لوريرو، أستاذ الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومدير مركز علوم البلازما والاندماج النووي، الذي قُتل بالرصاص في منزله بمنطقة بوسطن. كما قُتل عالم الفيزياء الفلكية كارل جريلماير من معهد كالتك، والذي أمضى عقوداً في مهام وكالة ناسا الكبرى مثل تلسكوبي هابل وسبيتزر.
أما في صفوف المفقودين، فقد اختفت مونيكا رضا، مهندسة الفضاء في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، إثر رحلة مشي في غابات أنجيليس الوطنية بكاليفورنيا، ولم يُعثر لها على أثر. وعلى المنوال ذاته، اختفى الجنرال المتقاعد في سلاح الجو ويليام نيل مكاسلاند من منزله في نيو مكسيكو، تاركاً خلفه هاتفه ونظارته وأجهزته الذكية، ولم يأخذ سوى حذائه ومحفظته ومسدسه. وتشير التقارير إلى وجود صلة مهنية بين رضا ومكاسلاند في أبحاث تتعلق بمركبات فضائية قابلة لإعادة الاستخدام. كما سُجل اختفاء ميليسا كاسياس، موظفة مختبر لوس ألاموس النووي، بعد أن أوصلت ابنتها إلى الغداء.
تداعيات الأزمة: التأثير المتوقع لغياب العقول الاستراتيجية
إن فقدان هذا العدد من الخبراء في مجالات حيوية يحمل تداعيات عميقة على مستويات عدة. محلياً، يخلق هذا الوضع حالة من القلق داخل المجتمع العلمي الأمريكي، مما قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة الأبحاث الحساسة ودفع المؤسسات الحكومية إلى فرض قيود أمنية صارمة على تحركات علمائها. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن تسريب أو ضياع المعرفة التي يمتلكها هؤلاء العلماء قد يخل بتوازن القوى العالمي. إذا كانت هذه الحوادث نتاج عمليات استخباراتية معادية، فإن ذلك يعني اختراقاً خطيراً للأمن القومي الأمريكي، مما قد يدفع واشنطن لاتخاذ إجراءات حازمة لحماية تفوقها في قطاعات الفضاء والتسليح.
تحركات واشنطن والتحقيقات الفيدرالية الجارية
أمام هذا الفراغ والتكهنات، تشير بيانات مركز «بيو» للأبحاث إلى تصاعد فرضيتين: إما استهداف العلماء بسبب معلومات حساسة يحملونها، أو تورط استخبارات معادية. وفي هذا الصدد، أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن الحكومة الفيدرالية تجري تحقيقاً رسمياً منسقاً. وصرح في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز: «الكثير من علماء الأمن النووي ينتمون إلى وزارة الطاقة، لذا نعم نحن ننظر في هذا الأمر»، مضيفاً أنه من المبكر إطلاق الأحكام النهائية، وأن الإدارة تتوقع التوصل إلى صورة أوضح خلال فترة قصيرة لفك طلاسم هذا اللغز المعقد.


