أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الأستاذ جاسم محمد البديوي، أن التعاون بين الخليج وآسيا الوسطى يرتكز على أسس متينة من التاريخ المشترك والمصالح المتبادلة. جاء ذلك خلال مشاركته الفاعلة في ورشة عمل استضافتها العاصمة السعودية الرياض تحت عنوان «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى: من الروابط التاريخية إلى التعاون الشامل». ونظم هذه الورشة مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية بمكتب رئيس جمهورية أوزبكستان، بحضور نخبة من الدبلوماسيين والباحثين وسفراء دول آسيا الوسطى.
الجذور التاريخية في التعاون بين الخليج وآسيا الوسطى
لم تكن العلاقات بين المنطقتين وليدة اللحظة، بل هي امتداد طبيعي لروابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة. تاريخياً، شكلت طرق التجارة القديمة، وفي مقدمتها طريق الحرير التاريخي، جسراً للتواصل الحضاري والتجاري المستمر بين شبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى. هذا الإرث الإسلامي والثقافي المشترك يمهد الطريق اليوم لبناء شراكات حديثة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية، لتصل إلى تكامل استراتيجي حقيقي يلبي طموحات الشعوب في كلا المنطقتين نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية المتبادلة
يعد التكامل الاقتصادي ركيزة أساسية في هذه الشراكة الواعدة. تمتلك دول آسيا الوسطى ثروات طبيعية هائلة، خاصة في قطاعات النفط والغاز الطبيعي والمعادن النادرة، بالإضافة إلى الموارد الزراعية الشاسعة. في المقابل، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي نحو 2.3 تريليون دولار في عام 2024، مما يعكس متانة الاقتصادات الخليجية وقدرتها التنافسية العالمية. وتسعى دول الخليج، ضمن رؤاها المستقبلية لتنويع مصادر الدخل، إلى ضخ استثمارات خارجية في البنية التحتية وإدارة الطاقة، وهو ما تحتاجه دول آسيا الوسطى بشدة لتطوير قطاعاتها الاقتصادية.
تحديات النقل والفرص التجارية والزراعية
رغم بلوغ حجم التبادل التجاري السلعي بين الجانبين نحو 10 مليارات دولار في عام 2023، إلا أن هذا الرقم لا يمثل سوى 0.7% من إجمالي حجم التبادل التجاري الكلي لدول المجلس. هناك فرص هائلة غير مستغلة، لا سيما في القطاع الزراعي، حيث تسعى دول الخليج للاستفادة من هذه الفرص لتأمين احتياجاتها الغذائية. ومع ذلك، تواجه هذه الطموحات تحديات لوجستية، أبرزها طرق النقل التجارية التي تتطلب العبور عبر الأراضي الإيرانية، مما يشكل عقبة تتطلب حلولاً مبتكرة في ظل الأوضاع الجيوسياسية الراهنة.
التحديات الأمنية وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي والدولي
لا يقتصر التعاون على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد ليشمل التنسيق الأمني الوثيق. تشترك المنطقتان في مواجهة تحديات أمنية معقدة مثل مكافحة الإرهاب والحد من التطرف. وفي سياق متصل، تطرق الأمين العام إلى التحديات الأمنية الجسيمة التي تواجه منطقة الخليج العربي حالياً، مشيراً إلى الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت منشآت مدنية وحيوية، والتي أدانها مجلس الأمن الدولي صراحة بموجب القرار 2817.
حماية إمدادات الطاقة العالمية
حذر البديوي من أن تداعيات هذه الأزمات الأمنية تمتد لتؤثر على أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله أكثر من 20% من إمدادات الطاقة العالمية. هذا الوضع يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي بأسره، بما في ذلك دول آسيا الوسطى. وأكدت دول المجلس تمسكها بحقها المشروع في الدفاع عن النفس وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وضمان استقرار إمدادات الطاقة، وتجنب التصعيد للحفاظ على السلم والأمن الإقليمي والدولي.


