تكثف إسلام آباد جهودها الدبلوماسية بشكل متسارع بهدف منع انهيار الهدنة الحالية، والعمل على استئناف المفاوضات بين إيران وأمريكا. وتأتي هذه التحركات لعقد جولة ثانية من المحادثات بين واشنطن وطهران بحلول يوم غدٍ الثلاثاء، وذلك قبيل انتهاء مهلة وقف إطلاق النار المحددة بأسبوعين، وفقاً لما أفادت به وكالة رويترز للأنباء.
الجذور التاريخية للتوتر ومساعي التهدئة
لفهم طبيعة هذا الحراك الدبلوماسي، يجب النظر إلى السياق العام للعلاقات المعقدة بين واشنطن وطهران، والتي شهدت عقوداً من التوتر منذ عام 1979. وقد تفاقمت هذه الخلافات بشكل ملحوظ بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، مما أدى إلى فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران وتصاعد التوترات العسكرية في مياه الخليج العربي. وفي هذا السياق، تلعب باكستان دوراً محورياً كدولة جارة لإيران وحليف استراتيجي للولايات المتحدة، مما يؤهلها لتكون وسيطاً موثوقاً قادراً على تقريب وجهات النظر وفتح قنوات اتصال خلفية لتجنب التصعيد الشامل في المنطقة.
حراك دبلوماسي مكثف واتصالات رفيعة المستوى
وفي إطار هذه المساعي، كشف مصدر أمني باكستاني أن قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، أجرى اتصالاً بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وقد أبلغ ترمب قائد الجيش الباكستاني أن حصار مضيق هرمز يشكل عقبة رئيسية أمام المحادثات مع طهران، مضيفاً أنه سيأخذ نصيحة “منير” بشأن هذه الأزمة بعين الاعتبار. من جهة أخرى، أكد وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، خلال اتصال هاتفي مع نظيرته الأسترالية بيني وونج، عزم بلاده على مواصلة الدفع نحو “انخراط بناء” بين واشنطن وطهران في محادثات السلام. وأطلعت الخارجية الباكستانية الجانب الأسترالي على نتائج الجولة الأولى من المحادثات التي عُقدت في 11 و12 أبريل الماضي. كما اجتمع وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، مع السفير الإيراني رضا أميري مقدم لمناقشة الترتيبات الخاصة بالجولة الثانية، مؤكداً ضرورة التوصل إلى حل مستدام عبر القنوات الدبلوماسية لخفض التوترات.
استنفار أمني لتأمين المفاوضات بين إيران وأمريكا
تترافق هذه الجهود الدبلوماسية مع إجراءات أمنية مشددة غير مسبوقة في العاصمة الباكستانية لضمان نجاح المفاوضات بين إيران وأمريكا. فقد صرح مصدر حكومي وأمني أنه تم نشر نحو 20 ألفاً من أفراد الشرطة والقوات شبه العسكرية وجنود الجيش في أنحاء إسلام آباد. وذكرت شبكة “سي إن إن” أنه تم إخلاء الفندقين الرئيسيين في المنطقة الحمراء بالعاصمة من النزلاء تحسباً لوصول الوفود. كما أغلقت الشرطة عدداً من الطرق السريعة المؤدية إلى العاصمة أمام وسائل النقل العام. وشملت الإغلاقات الطرق القادمة من لاهور وبيشاور وفيصل آباد، حيث تم إغلاق طريق لاهور-إسلام آباد السريع (M2) أمام النقل العام ليوم واحد تنفيذاً لتعليمات السلطات الفيدرالية.
التداعيات الإقليمية والدولية لنتائج الحوار
تكتسب هذه الجولة من المحادثات أهمية بالغة تتجاوز النطاق المحلي لتمتد إلى الساحتين الإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الدولي، يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، وأي استقرار في هذه المنطقة ينعكس إيجاباً على أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الاقتصادية. إقليمياً، من شأن نجاح هذه المفاوضات أن يحد من سباق التسلح ويقلل من حدة الصراعات بالوكالة في الشرق الأوسط، مما يمنح دول المنطقة فرصة للتركيز على التنمية. أما محلياً، فإن نجاح باكستان في رعاية هذا الاتفاق سيعزز من مكانتها الدبلوماسية كقوة استقرار إقليمية ويؤمن حدودها الغربية.
شروط معقدة ومساعٍ للوصول إلى مذكرة تفاهم
توقعت صحيفة “وول ستريت جورنال” وصول نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، إلى باكستان مساء الاثنين لإجراء محادثات مع الجانب الإيراني يوم الثلاثاء. ورغم تهديدات طهران بعدم الحضور ووصفها للمطالب الأمريكية بالمفرطة وغير الواقعية، يسعى الطرفان للتوصل إلى مذكرة تفاهم تضع إطاراً لاتفاقيات أكثر تفصيلاً لاحقاً. وتسعى واشنطن حالياً إلى: إعادة فتح مضيق هرمز، تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، تسليم المخزون الإيراني المخصب، الحد من إنتاج الصواريخ، ووقف تمويل الأذرع الإقليمية. في المقابل، تشترط إيران: استمرار سيطرتها على مضيق هرمز، الرفع الكامل للعقوبات، وتقليص مدة تعليق تخصيب اليورانيوم.


