تتجه الأنظار اليوم نحو مجلس العموم البريطاني، حيث يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر اختباراً سياسياً قاسياً للدفاع عن موقفه وسط تصاعد فضيحة ماندلسون. وتتعلق الأزمة بتعيين بيتر ماندلسون، السفير السابق والسياسي المخضرم، مبعوثاً لدى الولايات المتحدة، على الرغم من فشله في اجتياز عملية التدقيق الأمني. هذه الأزمة لا تهدد فقط الثقة في القيادة الحالية، بل تضع الحكومة البريطانية بأكملها على المحك في وقت حساس للغاية.
جذور الأزمة وتفاصيل فضيحة ماندلسون الأمنية
أفادت تقارير شبكة “سكاي نيوز” بأن كبير موظفي وزارة الخارجية السابق، أولي روبنز، سيمثل أمام اللجان المختصة للإدلاء بشهادته. وقد حمّل ستارمر روبنز مسؤولية الموافقة على تعيين ماندلسون دون إبلاغ رئاسة الحكومة بفشل الأخير في التدقيق الأمني. ومن المتوقع أن يصر رئيس الوزراء على أنه “لم يُبلغ” بتلك النتائج الحساسة قبل ترشيح ماندلسون لأحد أرفع المناصب الدبلوماسية في واشنطن، مما سيوجه موجة من الانتقادات الحادة لآليات العمل داخل وزارة الخارجية.
في المقابل، تشير مصادر مقربة من روبنز إلى أنه لن يستسلم بسهولة في هذه المعركة. ويجادل حلفاؤه بأن القوانين واللوائح تمنعه من مشاركة التفاصيل الأمنية الحساسة المتعلقة بملف ماندلسون مع الوزراء، مؤكدين أن قرار منحه التصريح مع اتخاذ التدابير التخفيفية المناسبة كان يقع ضمن صلاحياته الحصرية.
السياق التاريخي لتعيينات واشنطن وأهمية التحالف
تاريخياً، يُعد منصب السفير البريطاني في واشنطن أحد أهم المناصب الدبلوماسية للمملكة المتحدة، نظراً للعلاقة الخاصة والاستراتيجية التي تجمع بين البلدين منذ عقود طويلة. بيتر ماندلسون، الذي شغل مناصب وزارية بارزة في حكومات حزب العمال السابقة ولعب دوراً محورياً في تشكيل سياسات الحزب، يُعتبر شخصية ذات ثقل سياسي كبير. ومع ذلك، فإن إرسال مبعوث لم يجتز الفحص الأمني بالكامل إلى الحليف الأهم لبريطانيا يُعد سابقة خطيرة. هذا الأمر قد يثير قلق الإدارة الأمريكية ويؤثر على مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الثنائي الوثيق بين البلدين، وهو ما يفسر حجم الغضب المؤسسي والسياسي المحيط بهذه القضية.
التأثيرات المتوقعة: هل تطيح الأزمة بحكومة العمال؟
على الصعيد المحلي، تأتي هذه الأزمة في أسوأ توقيت ممكن لحزب العمال. فمع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المقررة في 7 مايو القادم، تشير استطلاعات الرأي إلى احتمالية تعرض الحزب لهزيمة قاسية. وقد استغلت أحزاب المعارضة الموقف بضراوة؛ حيث دعت زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوش، إلى استقالة ستارمر، معتبرة أن تمرير التعيين يعكس “عدم أمانة وتقاعساً عن طرح الأسئلة البديهية”. كما صرح زعيم الديمقراطيين الليبراليين، إد ديفي، بأن ستارمر ارتكب “خطأً فادحاً في التقدير”.
إقليمياً ودولياً، تضع هذه الأزمة علامة استفهام حول استقرار الحكومة البريطانية وقدرتها على إدارة ملفاتها الخارجية بشفافية. الاهتزاز في الثقة قد يمتد ليؤثر على صورة بريطانيا أمام حلفائها الأوروبيين، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة التي تتطلب قيادة قوية ومتماسكة قادرة على اتخاذ قرارات أمنية وسياسية لا تشوبها شائبة.
انقسامات داخلية ودعم وزاري في مواجهة العاصفة
لم تقتصر التداعيات على هجوم المعارضة، بل امتدت لتشمل انقسامات داخل حزب العمال نفسه. فقد برز اللورد جلاسمان كأحد الأصوات الحزبية المطالبة بتنحي ستارمر، مشيراً إلى أنه فقد مصداقيته لعجزه عن الاعتراف بالخطأ والاعتذار.
رغم ذلك، سارعت شخصيات وزارية بارزة لتقديم الدعم لرئيس الحكومة. فقد أعلنت وزيرة التكنولوجيا، ليز كيندال، دعمها الكامل لستارمر “بنسبة 100%”، حتى بعد الكشف عن مخاوف أمنية جديدة الأسبوع الماضي. وأكدت كيندال، وفقاً لوكالة “بلومبيرغ”، أنه كان من الخطأ عدم إبلاغ رئيس الوزراء أو وزير الخارجية بتوصيات الرفض الأمني، مشددة على أن ستارمر كان سيرفض التعيين حتماً لو علم بالحقائق، واصفة إياه بأنه “رجل نزيه يتخذ القرارات الصائبة في اللحظات المصيرية التي تواجه البلاد”.


