تمر العلاقات الأوروبية الإسرائيلية بمنعطف دبلوماسي حرج للغاية، حيث تشهد القارة العجوز تحولات سياسية جذرية أدت إلى تصلب مواقف حلفاء إسرائيل التقليديين. وبحسب تقارير نشرتها صحيفة “الغارديان” وموقع “بوليتيكو”، فإن الأسبوع الأخير الذي عاشته الحكومة الإسرائيلية يُعد مؤشراً واضحاً على تحول جوهري نحو فرض عقوبات أوروبية محتملة، وإجراء مراجعة شاملة للعلاقات الثنائية التي طالما اتسمت بالمتانة.
جذور الشراكة ومسار التحول التاريخي
لفهم طبيعة هذا التحول، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي حكم الروابط بين الطرفين. تاريخياً، استندت الشراكة بين الجانبين إلى “اتفاقية الشراكة” الموقعة في عام 2000، والتي جعلت من الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لتل أبيب. على مدار عقود، حافظت أوروبا على توازن دقيق بين دعمها لأمن إسرائيل وموقفها الثابت الداعم لحل الدولتين. ومع ذلك، فإن التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، وتحديداً الحرب في قطاع غزة، أحدث زلزالاً في الرأي العام الأوروبي، مما دفع الحكومات إلى إعادة تقييم سياساتها الخارجية لتتماشى مع الضغوط الشعبية المتزايدة والمطالبات باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي.
سقوط جدار الحماية المجري وتراجع الدعم الإيطالي
اعتبرت صحيفة الغارديان أن التغيير الدراماتيكي في المشهد السياسي في المجر هو المحرك الرئيسي لهذا التحول. لطالما كان فيكتور أوربان المدافع الأشرس عن إسرائيل داخل المجلس الأوروبي، مستخدماً “حق النقض” (الفيتو) لتعطيل أي تحرك جماعي ضدها. لكن التغيرات السياسية وصعود قوى جديدة بقيادة بيتر ماغيار أزالت هذه العقبة. وفي هذا السياق، أفادت مايا سيون-تزيدكياهو، مديرة برنامج العلاقات الإسرائيلية الأوروبية في معهد “ميتفيم”، بأن الفيتو المجري كان الحصن الوحيد المانع لحزمة عقوبات ضد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، متوقعة أن تتماشى الإدارة المجرية الجديدة مع توجهات الاتحاد الأوروبي.
على صعيد آخر، بدأت إيطاليا، التي كانت حليفاً وثيقاً تحت قيادة جيورجيا ميلوني، في الابتعاد عن حكومة بنيامين نتنياهو. واتخذت روما خطوة لافتة بتعليق اتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل، وهو ما وصفه دبلوماسي أوروبي بأنه “تحذير واضح”. ويعزو المؤرخ السياسي لورينزو كاستيلاني هذا التغير إلى الضغوط المحلية، حيث أصبحت السياسة الخارجية الإيطالية، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، شأناً مركزياً للرأي العام بسبب التبعات الجيوسياسية والاقتصادية المباشرة للصراع.
إسبانيا تقود حراكاً لتعليق اتفاقية الشراكة
بلغ التوتر الدبلوماسي ذروته عندما صعد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من لهجته ضد الحكومة الإسرائيلية. وبحسب “بوليتيكو”، حث سانشيز الاتحاد الأوروبي على إنهاء “اتفاقية الشراكة” التي تنظم العلاقات التجارية والسياسية بين الجانبين. وأكد سانشيز في تجمع حاشد في إقليم الأندلس أن أي حكومة تنتهك القانون الدولي أو مبادئ الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن تكون شريكاً. وقدمت إسبانيا، إلى جانب أيرلندا وسلوفينيا، التماساً رسمياً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، لمراجعة التزامات إسرائيل بحقوق الإنسان، مستشهدين بالأوضاع المأساوية في غزة وتصاعد العنف في الضفة الغربية.
التداعيات المستقبلية على العلاقات الأوروبية الإسرائيلية
إن مستقبل العلاقات الأوروبية الإسرائيلية يقف الآن على المحك، ويحمل هذا التحول تأثيرات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تشير استطلاعات الرأي، مثل استطلاع معهد “ميتفيم”، إلى أن 67% من الإسرائيليين باتوا يرون في الاتحاد الأوروبي “خصماً”، رغم غفلة الرأي العام الإسرائيلي عن مدى الاعتماد الاقتصادي الهائل على الأسواق الأوروبية. إقليمياً ودولياً، يمثل تحويل القوة الاقتصادية الأوروبية إلى نفوذ سياسي ضاغط سابقة قد تغير مسار الصراع.
ورغم أن تعليق اتفاقية الشراكة يتطلب إجماعاً من الدول الـ27، وهو أمر تواجه فيه مجموعة تقودها ألمانيا تحفظات خوفاً من عرقلة المفاوضات الحساسة الجارية بشأن الجبهة اللبنانية، إلا أن خيار ممارسة الضغط عاد بقوة إلى الطاولة. وخلصت الغارديان إلى أنه مع استعداد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي للاجتماع في لوكسمبورغ، يبدو أن استراتيجية “فرق تسد” التي اعتمدها نتنياهو طويلاً قد استنفدت أغراضها، وأن انتقال القادة الأوروبيين نحو فرض عقوبات مادية صار أمراً لا مفر منه.


