في تطور عسكري وسياسي لافت يغير من معادلات الصراع الدائر في السودان، شكل انشقاق اللواء القبة، واسمه الحقيقي النور أحمد آدم، عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، نقطة تحول جوهرية. وقد استقبل رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، اللواء المنشق يوم الأحد، في خطوة تعكس تسارع وتيرة التحولات داخل المشهد العسكري السوداني وتزايد التصدعات في البنية القيادية لقوات الدعم السريع.
رسائل البرهان بعد انشقاق اللواء القبة وتأثيرها الميداني
أكد الفريق أول عبد الفتاح البرهان في بيان رسمي أعقب هذا الحدث البارز، أن الأبواب مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني. وتعد هذه التصريحات بمثابة رسالة عفو وتطمين مباشرة لبقية العناصر والقادة الميدانيين الراغبين في التخلي عن التمرد والعودة إلى حضن مؤسسات الدولة الشرعية. وتأتي هذه الخطوة لتعزز من الروح المعنوية للجيش السوداني، في وقت تشهد فيه جبهات القتال تقدماً ملحوظاً للقوات المسلحة في عدة محاور استراتيجية، سعياً لاستعادة الأمن والاستقرار وبسط سيطرة الدولة على كامل التراب الوطني.
السياق التاريخي للصراع وتصاعد وتيرة الانشقاقات
لفهم أبعاد هذا التطور، يجب النظر إلى السياق العام للصراع السوداني الذي اندلع في منتصف أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. منذ بداية الأزمة، سعت القيادة العسكرية السودانية إلى تحييد قيادات الدعم السريع عبر استراتيجية تجمع بين الضغط العسكري وفتح قنوات للتفاوض الفردي والترحيب بالعائدين. ويمثل انضمام القُبّة ثاني انشقاق رفيع المستوى يهز أركان الدعم السريع، وذلك بعد الانشقاق الشهير للقائد أبو عاقلة كيكل، الذي حصل على عفو عام في وقت سابق. هذه التراكمات تشير بوضوح إلى تراجع التماسك الداخلي لقوات الدعم السريع، خاصة بعد فقدانها لعدد من المواقع الاستراتيجية وتزايد الضغط الشعبي والدولي المطالب بإنهاء الحرب.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع محلياً وإقليمياً
لا يقتصر تأثير هذه الخطوة على الجانب المعنوي فحسب، بل يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة. يُصنّف اللواء المنشق ضمن أبرز القادة العسكريين والميدانيين، حيث يُعتقد أنه كان يشغل المرتبة الثالثة في الهرم القيادي العسكري لقوات الدعم السريع. لقد شارك بشكل مباشر في إدارة معارك مفصلية في العاصمة الخرطوم، وولاية الجزيرة، ومناطق كردفان، وصولاً إلى حصار مدينة الفاشر. وبالتالي، فإن خروجه يمثل ضربة قاصمة للقدرات التخطيطية والعملياتية للقوات التي كان ينتمي إليها. على الصعيد المحلي، يسهم هذا التطور في تعزيز وحدة الصف الوطني واستعادة هيبة الدولة، وهو ما ظهر جلياً في الترحيب السياسي والعسكري الواسع، بما في ذلك إشادة مجلس الصحوة الثوري بقيادة الشيخ موسى هلال، الذي وصف الخطوة بالموقف الوطني الشجاع.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن توالي انشقاقات القيادات العليا يرسل إشارات قوية للمجتمع الدولي والوسطاء الإقليميين بأن ميزان القوى يميل تدريجياً لصالح الجيش السوداني. هذا التغير في الديناميكية الميدانية قد يدفع الأطراف الخارجية الداعمة أو المراقبة للصراع إلى إعادة تقييم مواقفها، مما قد يسرع من وتيرة الجهود الدبلوماسية الرامية للوصول إلى تسوية شاملة تضمن استقرار السودان وتمنع انزلاق المنطقة بأسرها نحو فوضى أمنية أوسع. إن فقدان الثقة وتصاعد حالة الانقسام داخل الدعم السريع يمثلان فرصة ذهبية للدولة السودانية لإعادة ترتيب أوراقها وتوحيد الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات المستقبلية.


