
في تطور سياسي وأمني لافت يعكس تحولاً جذرياً في مسار البلاد، تتجه الأنظار اليوم نحو مساعي استعادة السيادة اللبنانية بعد نحو نصف قرن من الارتهان والتجاذبات الإقليمية. فقد أشار قائد الجيش العماد جوزيف عون إلى أن لبنان لم يعد «ورقة في جيب أحد»، موجهاً شكره للقيادة السعودية والإدارة الأمريكية لدعمهما وقف إطلاق النار مع إسرائيل. ومع دخول هدنة مؤقتة حيز التنفيذ وعودة آلاف النازحين إلى الجنوب والضاحية الجنوبية، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تعتمد على ترتيبات أمنية دولية مشروطة، وسط آمال بإنهاء حقبة طويلة من الصراعات.
جذور الأزمة: نصف قرن من التجاذبات الإقليمية
لفهم أهمية هذه اللحظة الفارقة، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية التي أطرت المشهد اللبناني. على مدار الخمسين عاماً الماضية، وتحديداً منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وما تلاها من تدخلات خارجية واجتياحات متكررة، عاش لبنان تحت وطأة الارتهان السياسي والأمني. تحولت الساحة اللبنانية إلى صندوق بريد لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، مما أضعف مؤسسات الدولة وجعل قرار السلم والحرب خارج إطار المؤسسات الشرعية. هذا التراكم التاريخي من الأزمات جعل من مسألة استعادة قرار الدولة مطلباً ملحاً وتحدياً وجودياً لضمان بقاء الكيان اللبناني موحداً ومستقلاً.
استعادة القرار الوطني وحصر السلاح
في خطابه الأخير، قدم العماد جوزيف عون قراءة سياسية وعسكرية تتسم بالوضوح، مؤكداً أن المفاوضات الجارية لا تعني تنازلاً أو ضعفاً، بل هي «قرار سيادي نابع من القوة». وشدد على أن لبنان لن يسمح بعد اليوم بأن يُستنزف شعبه في صراعات الآخرين. ويبرز هنا البند الأهم في اتفاق التهدئة، وهو تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية منع أي هجمات من أراضيها، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني فقط. هذا البند يضع بيروت أمام تحدٍ داخلي مباشر يتعلق بإعادة هيكلة منظومة القوة وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها دون منازع.
التداعيات المتوقعة على السيادة اللبنانية والمشهد الإقليمي
يحمل هذا الحدث أهمية استثنائية تتجاوز الحدود الجغرافية للبنان. على الصعيد المحلي، يمثل تطبيق الهدنة وحصر السلاح خطوة أولى نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوفير بيئة آمنة تتيح إطلاق ورشة إعادة الإعمار، خاصة بعد الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تجاوزت 2196 قتيلاً وأكثر من 7185 جريحاً منذ مارس الماضي. أما إقليمياً ودولياً، فإن نجاح هذه الترتيبات يعكس رغبة واضحة، بدعم من الرياض وواشنطن، في تحييد لبنان عن الصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط. هذا التموضع الجديد قد يؤسس لمرحلة من الاستقرار النسبي، ويشجع المجتمع الدولي على تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي اللازم لانتشال البلاد من أزماتها المتلاحقة.
هدنة مشروطة وعودة حذرة للنازحين
ميدانياً، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لمدة عشرة أيام كفترة اختبارية قابلة للتمديد في حال تحقيق تقدم سياسي وأمني. وقد شهدت الطرق المؤدية إلى الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت حركة عودة كثيفة للنازحين، في مشهد يعكس إرادة الحياة لدى اللبنانيين رغم حجم الدمار. ومع ذلك، تظل هذه الهدنة هشة ومشروطة، حيث يمنح الاتفاق إسرائيل حق الرد الدفاعي، في حين يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إطلاق رسائل متناقضة تؤكد استمرار هدف تفكيك قدرات حزب الله. وفي المقابل، تسعى واشنطن لإدارة هذا التوازن الدقيق لمنع الانزلاق مجدداً نحو التصعيد الشامل، مع تقديم ضمانات لمنع استئناف القصف العشوائي.
مفترق طرق حاسم
تقف البلاد اليوم أمام مرحلة انتقالية دقيقة. الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الهدنة ستتحول إلى مسار سياسي دائم يرسخ مفهوم الدولة، أم أنها ستبقى مجرد استراحة محارب في صراع طويل. إن التحدي الأكبر يكمن في تحويل الدعم الدبلوماسي الخارجي إلى واقع داخلي ملموس يضمن عدم العودة إلى مربع الحرب، ويؤسس لمستقبل مشرق تحت مظلة الشرعية والقانون.


