في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً هاماً، أكد العماد جوزيف عون في كلمة وجهها إلى الشعب اللبناني أن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار يمثل بداية مرحلة سياسية جديدة ومفصلية في تاريخ البلاد. وشدد على أن استعادة قرار لبنان الوطني هي الركيزة الأساسية لضمان مستقبل آمن، كاشفاً عن الدور المحوري والبارز الذي لعبته الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب، والمملكة العربية السعودية، في إنجاز هذا المسار الدبلوماسي المعقد. وأوضح أن هذا التطور الإيجابي لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من العمل المكثف والجهود الدبلوماسية المتواصلة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
السياق التاريخي: عقود من الصراعات والتدخلات الخارجية
عانى لبنان على مدى عقود طويلة من تبعات التدخلات الخارجية التي جعلت منه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975، مروراً بالاجتياحات المتكررة، وصولاً إلى الأزمات السياسية والأمنية المتعاقبة في القرن الحادي والعشرين، دفع الشعب اللبناني أثماناً باهظة نتيجة غياب السيادة الكاملة. وفي هذا السياق، يأتي التأكيد الحالي على استقلالية القرار اللبناني ليعيد التذكير بأهمية اتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية عام 1989، والذي أسس لإنهاء الحرب الأهلية وبناء مؤسسات الدولة، مما يؤكد استمرارية الدور السعودي الداعم لاستقرار لبنان وعروبته.
أهمية التوافق الدبلوماسي وتأثيره الإقليمي والدولي
يحمل اتفاق وقف إطلاق النار الحالي أهمية بالغة تتجاوز الحدود اللبنانية لتنعكس على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. محلياً، يتيح هذا الاتفاق فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة إعمار ما دمرته المواجهات العسكرية، فضلاً عن إنعاش الاقتصاد المنهك. إقليمياً، يساهم الدعم السعودي والعربي في إعادة لبنان إلى حاضنته العربية الطبيعية، مما يقلل من حدة التوترات الجيوسياسية. أما دولياً، فإن الرعاية الأمريكية تعكس التزاماً بمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة. وقد كشف عون أن المسؤولين اللبنانيين تعرضوا خلال هذه المرحلة الدقيقة لحملات انتقاد واسعة وضغوط سياسية هائلة، إلا أنهم واصلوا العمل بقناعة راسخة بأن المسار الدبلوماسي هو الخيار الأكثر جدوى لحماية البلاد، وهو ما أثبتت التطورات الأخيرة صحته.
حماية قرار لبنان الوطني وحصر السلاح بيد الدولة
أشار عون بوضوح إلى أن لبنان دخل مرحلة جديدة تقوم على الانتقال من مجرد تثبيت وقف إطلاق النار إلى السعي الجاد نحو إرساء تفاهمات دائمة. هذه التفاهمات تهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان حقوق الدولة اللبنانية، حفظ وحدة الأراضي، وصون السيادة الوطنية لمنع العودة إلى دوامة المواجهات العسكرية المدمرة. وأكد أن الدولة استعادت قرار لبنان الوطني للمرة الأولى منذ عقود، موضحاً أن بيروت باتت تتخذ قراراتها بنفسها وتفاوض انطلاقاً من مصلحتها العليا. وشدد على أن لبنان لن يكون بعد اليوم ساحة تستخدمها القوى الخارجية لفرض أجنداتها، مؤكداً أن السلطة الشرعية وحدها هي من يجب أن تملك قرار الحرب والسلم، وأن الأولوية المطلقة ستكون لحماية المواطنين وصون مؤسسات الدولة. واعتبر أن المفاوضات لا تعني ضعفاً أو تنازلاً، بل هي أداة سياسية سيادية لحماية الشعب والأرض.
التطلعات المستقبلية: الوحدة الوطنية ورفض الانقسام
توقف عون بأسى عند الخسائر البشرية الفادحة التي تكبدها لبنان، مذكراً بأن آلاف اللبنانيين سقطوا خلال المرحلة الماضية. وشدد على أن الواجب الوطني والأخلاقي للدولة يحتم عليها منع تكرار هذه المآسي، وعدم السماح باستمرار دفع اللبنانيين أثماناً لصراعات لا تخدم مصلحة وطنهم. وفي الشأن الداخلي، وجه دعوة صريحة للبنانيين للتمسك بالوحدة الوطنية، ونبذ كل أشكال الانقسام وخطابات التخوين. وحذر من أن البلاد تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم وخيارين واضحين: إما السير بخطى ثابتة نحو الاستقرار والازدهار عبر تغليب العقلانية والعمل المؤسساتي، أو الانزلاق مجدداً إلى مسارات الانهيار والفوضى. وختم رسالته بالتأكيد على أن الأوطان تُبنى بالوعي المجتمعي، الثقة المتبادلة، والتضامن الوطني، وليس عبر رفع الشعارات الرنانة أو الانجرار خلف الصدامات الداخلية.


