اختتمت في العاصمة السعودية الرياض أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، والذي شهد إعلانات جوهرية أبرزها إطلاق مبادرة ترميم البلدات التراثية، وذلك بمشاركة واسعة من الجهات الثقافية والمنظمات غير الربحية. وجاء هذا الملتقى وسط تأكيدات رسمية على استمرار دعم وتمكين القطاع الثقافي، وتعزيز أثره المباشر في التنمية الثقافية والمجتمعية المستدامة.
الجذور التاريخية والتحول الثقافي في السعودية
تتمتع المملكة العربية السعودية بعمق تاريخي وحضاري يمتد لآلاف السنين، حيث تضم مختلف مناطقها شواهد معمارية فريدة تعكس تنوعها الثقافي. وفي سياق هذا الإرث العريق، جاء تأسيس وزارة الثقافة وهيئة التراث ليمثل نقطة تحول مفصلية في مأسسة العمل الثقافي وحماية المقدرات الوطنية. وأكد وزير الثقافة، الأمير بدر بن فرحان، خلال الملتقى أن القطاع الثقافي غير الربحي في المملكة يشهد نقلة تاريخية غير مسبوقة في ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030. وأشار سموه إلى أرقام تعكس هذا النمو السريع، حيث ارتفع عدد المنظمات الثقافية من 30 منظمة فقط إلى أكثر من 1600 منظمة ومؤسسة فاعلة. وقد تحقق هذا الإنجاز بدعم سخي وتفاعل مجتمعي تجاوز 20 ألف متطوع، قدموا ما يزيد على مليون ساعة تطوعية لخدمة الثقافة والمجتمع.
تفاصيل مبادرة ترميم البلدات التراثية ودور المجتمع
في خطوة استراتيجية لتعزيز الهوية العمرانية، أعلن وزير الثقافة رسمياً عن إطلاق مبادرة ترميم البلدات التراثية، والتي تهدف بشكل أساسي إلى دعم المجتمعات المحلية وتمكينها من الحفاظ على الأصول التراثية وتأهيلها. وأوضح الوزير أن برامج الدعم المالي التي تخطت حاجز 340 مليون ريال سعودي قد أسهمت بشكل فعال في تمكين القطاع وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير. وقد تجلى ذلك في نجاحات ملموسة شملت مختلف مناطق المملكة، من أبرزها إعادة تأهيل نحو 1000 موقع للتراث العمراني. وبيّن سموه أن هذه المبادرة تأتي امتداداً للشراكة الاستراتيجية بين هيئة التراث والمجتمع المحلي، كاشفاً أنه سيتم فتح باب التقديم للمشاركة في هذا المشروع الوطني الرائد خلال الربع الرابع من عام 2026.
الأثر المتوقع محلياً وإقليمياً ودولياً
لا تقتصر أهمية هذه الخطوات على الجانب الجمالي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية واسعة. على الصعيد المحلي، تسهم مشاريع التأهيل في خلق فرص عمل جديدة، وتنشيط السياحة الداخلية، وتحويل المواقع القديمة إلى روافد ثقافية واقتصادية تدعم تنمية المجتمعات المحلية. أما إقليمياً، فإن هذه الجهود تعزز من مكانة المملكة كمركز إشعاع ثقافي رائد في منطقة الشرق الأوسط، يقود مبادرات الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية. ودولياً، تتقاطع هذه المبادرات مع المعايير العالمية لحماية التراث الإنساني، مما يجذب السياح والباحثين من مختلف أنحاء العالم، ويدعم حضور المملكة في المحافل الثقافية الدولية.
واختتم وزير الثقافة كلمته في الملتقى برسالة واضحة، مؤكداً على أن القيم الوطنية والتراث الثقافي الأصيل سيظلان دائماً البوصلة الحقيقية لمسيرة القطاع نحو مزيد من التأثير والإنتاج والتميز محلياً وعالمياً.


