في خطوة سياسية بارزة تعكس تحولات هامة في المشهد الشرق أوسطي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، اليوم الخميس، عن عزمه توجيه دعوة رسمية من أجل استضافة عون ونتنياهو في البيت الأبيض. تهدف هذه القمة المرتقبة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون إلى إجراء أول محادثات مباشرة وذات مغزى بين إسرائيل ولبنان منذ عقود طويلة، وتحديداً منذ عام 1983. وقد جاء هذا الإعلان المفاجئ ليفتح باباً جديداً للأمل في منطقة عانت طويلاً من ويلات الصراعات المستمرة.
وأوضح ترمب في منشور عبر منصته “تروث سوشيال” أن “الجانبين يريدان أن يريا السلام، وأعتقد أن ذلك سيحدث بسرعة”. وتأتي هذه التطورات الإيجابية بعدما أُعلن رسمياً عن اتفاق الجانبين على بدء وقف إطلاق نار شامل لمدة 10 أيام. ومن المقرر أن يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ اعتباراً من الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وهو ما يوافق الساعة التاسعة مساءً بتوقيت مكة المكرمة، مما يمهد الطريق لتهدئة الأوضاع الميدانية المتوترة.
من جهته، سارع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى الترحيب بإعلان وقف إطلاق النار الذي رعاه الرئيس الأمريكي. واعتبر سلام أن هذا التطور يمثل مطلباً لبنانياً أساسياً سعت إليه بيروت بجدية منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب. وأشار إلى أن هذا الملف كان الهدف الرئيسي خلال اللقاءات المكثفة التي عُقدت في العاصمة الأمريكية واشنطن يوم الثلاثاء الماضي. وفي رسالة تضامن، هنأ سلام عبر منصة “إكس” جميع اللبنانيين بهذا الإنجاز، مؤكداً وقوفه إلى جانب عائلات الضحايا والجرحى، والمواطنين الذين اضطروا للنزوح من مدنهم وقراهم، معرباً عن أمله العميق في عودتهم السريعة والآمنة. كما وجه شكره للجهود الإقليمية والدولية، خاصة الولايات المتحدة، فرنسا، الاتحاد الأوروبي، والدول العربية وفي مقدمتها السعودية، مصر، قطر، والأردن.
الجذور التاريخية للصراع وأهمية استضافة عون ونتنياهو
لفهم الأهمية البالغة لخطوة استضافة عون ونتنياهو، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد للعلاقات اللبنانية الإسرائيلية. منذ توقيع اتفاق 17 أيار في عام 1983، والذي لم يُكتب له النجاح وتم إلغاؤه لاحقاً، لم يشهد البلدان أي محادثات سلام مباشرة أو اتفاقيات سياسية ذات طابع رسمي. طوال العقود الماضية، اقتصرت التفاهمات على ترتيبات أمنية غير مباشرة، مثل تفاهم نيسان عام 1996، والقرار الأممي 1701 الذي أنهى حرب تموز عام 2006. لذلك، يُعد هذا اللقاء المرتقب في واشنطن اختراقاً دبلوماسياً غير مسبوق، قد يطوي صفحة طويلة من العداء المستحكم ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الأمني والسياسي الذي تفتقده المنطقة.
التداعيات المتوقعة للاتفاق على المستويين الإقليمي والدولي
لا تقتصر تأثيرات هذا الحدث على الداخل اللبناني والإسرائيلي فحسب، بل تمتد لتشمل تداعيات جيوسياسية واسعة. محلياً، يمنح وقف إطلاق النار فرصة ذهبية للبنان لالتقاط الأنفاس، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم الجنوبية. أما إقليمياً، فإن نجاح هذه المبادرة قد يسهم في تبريد الجبهات المشتعلة الأخرى في الشرق الأوسط، ويقلل من احتمالات الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة طالما حذرت منها القوى الكبرى. ودولياً، يعزز هذا الاتفاق من دور واشنطن كوسيط قادر على إحداث تغيير حقيقي في مسار الأزمات المعقدة، مما ينعكس إيجاباً على استقرار أسواق الطاقة العالمية وطرق التجارة الدولية التي تتأثر بشدة بأي توتر في الشرق الأوسط.
الموقف الإسرائيلي والترتيبات الميدانية
على الجانب الإسرائيلي، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن نتنياهو وافق على قرار وقف إطلاق النار في لبنان دون الرجوع إلى المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) للتصويت عليه. وأبلغ نتنياهو حكومته بأن القوات الإسرائيلية ستبقى متمركزة في مواقعها الحالية في جنوب لبنان، مبرراً خطوته بأنها استجابة مباشرة لطلب الرئيس الأمريكي ترمب. وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن مسؤول إسرائيلي تأكيده أن الجيش سيحافظ على تواجده الميداني خلال فترة الهدنة، وهو ما تقاطع مع تقارير وكالة “رويترز” التي نفت وجود أي خطط لانسحاب القوات الإسرائيلية. بالتوازي مع ذلك، أشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أن الجيش قد يسعى لتوجيه ضربات استراتيجية أخيرة ومكثفة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي، مما يعكس حالة الحذر والترقب التي تسبق تطبيق الاتفاق.


