أطلق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن التطورات المتسارعة التي يشهدها البرنامج النووي لكوريا الشمالية. وأكد غروسي أن بيونغ يانغ تحرز تقدماً خطيراً للغاية في تعزيز قدراتها على إنتاج المزيد من الأسلحة النووية، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحديات أمنية غير مسبوقة ويهدد الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية.
جذور وتطور البرنامج النووي لكوريا الشمالية
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي رافق البرنامج النووي لكوريا الشمالية. بدأت طموحات بيونغ يانغ النووية منذ عقود، لكنها اتخذت منحنى تصعيدياً خطيراً عندما انسحبت البلاد رسمياً من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) في عام 2003. وفي عام 2006، أجرت كوريا الشمالية أول تجربة نووية لها، مما أدى إلى فرض سلسلة من العقوبات الدولية القاسية. ومنذ ذلك الحين، ورغم التنديد العالمي المستمر، واصلت بيونغ يانغ تطوير قدراتها النووية والصاروخية، وصولاً إلى اختبار صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة نظرياً على ضرب الأراضي الأمريكية، مما حول الأزمة من شأن إقليمي إلى تهديد عالمي مباشر.
تسارع الأنشطة في مجمع يونغبيون والمنشآت السرية
نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن غروسي تأكيده أن النشاط داخل المجمع النووي الرئيسي في منطقة “يونغبيون” قد شهد ارتفاعاً سريعاً وملحوظاً. وأشار إلى تكثيف العمل في مفاعل تبلغ قدرته 5 ميغاواط، بالإضافة إلى تشغيل منشآت إعادة المعالجة والمفاعل العامل بالماء الخفيف ومرافق أخرى حيوية مرتبطة بالبرنامج. وفي سياق متصل، كشف تقرير صادر عن مركز “Beyond Parallel” التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية، عن اكتمال مبنى جديد لتخصيب اليورانيوم في يونغبيون واقترابه من الجاهزية التشغيلية. كما تم رصد أنشطة في منشأة أخرى غير معلنة قرب موقع “كانغسون” بالقرب من العاصمة بيونغ يانغ. تشغيل هذه المنشآت مجتمعة سيؤدي حتماً إلى زيادة هائلة في حجم الترسانة النووية التي تمتلكها كوريا الشمالية.
تعثر الدبلوماسية وتجاهل القرارات الدولية
وصف غروسي استمرار وتوسع الأنشطة النووية الكورية الشمالية بأنه انتهاك صارخ وواضح لقرارات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. وأكد أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تزال على استعداد تام للتحقق من هذه الأنشطة إذا سُمح لمفتشيها بالعودة. وتأتي هذه التطورات في ظل تعثر ملحوظ للجهود الدبلوماسية الرامية للحد من التسلح، خاصة بعد انهيار القمم التاريخية التي جمعت الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، وتحديداً قمة هانوي عام 2019 التي انتهت دون التوصل إلى اتفاق. هذا الفشل الدبلوماسي، مصحوباً بتدهور العلاقات بين الكوريتين، دفع القيادة في بيونغ يانغ إلى التعهد علناً بتسريع عملية التسلح النووي.
التداعيات الإقليمية والدولية لتوسع الترسانة النووية
يحمل هذا التوسع تداعيات خطيرة على الأمنين الإقليمي والدولي. تُقدر الترسانة الحالية لكوريا الشمالية بنحو 50 رأساً نووياً. ورغم أن بيونغ يانغ لم تجرِ أي تجربة نووية تحت الأرض منذ عام 2017، إلا أنها ركزت جهودها على تطوير تقنيات الصواريخ الباليستية وتصغير الرؤوس الحربية لتركيبها على صواريخ بعيدة المدى. وفي هذا الصدد، حذر مسؤولون في كوريا الجنوبية في مطلع العام الجاري من أن جارتهم الشمالية باتت قادرة على إنتاج مواد كافية لبناء ما بين 10 إلى 20 سلاحاً نووياً سنوياً. وتكمن الخطورة الكبرى، كما أشار الخبراء، في أن امتلاك بيونغ يانغ لفائض نووي مستقبلاً قد يغريها بتصدير هذه التكنولوجيا أو المواد الانشطارية خارج حدودها، مما يشكل كابوساً حقيقياً لجهود منع الانتشار النووي ويهدد الاستقرار العالمي بأسره.


