نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، رعى نائب أمير منطقة الرياض الأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز، حفل تسليم جائزة الملك فيصل في دورتها الثامنة والأربعين لعام 2026. أقيم هذا الحدث العلمي والثقافي البارز في قاعة الأمير سلطان الكبرى بفندق الفيصلية، بحضور نخبة من الأمراء والمسؤولين، يتقدمهم رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الأمير تركي بن فيصل بن عبدالعزيز، والأمين العام لمؤسسة الملك فيصل الخيرية الأمير بندر بن سعود بن خالد.
تاريخ عريق من الاحتفاء بالمعرفة
تُعد جائزة الملك فيصل واحدة من أعرق الجوائز العالمية التي تأسست عام 1977م ومُنحت لأول مرة عام 1979م، لتخليد ذكرى الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-. ومنذ انطلاقتها، أخذت الجائزة على عاتقها تكريم الإسهامات البارزة التي تخدم الإنسانية وتثري المعرفة البشرية. يعكس هذا الحدث السنوي مكانة المملكة العربية السعودية كحاضنة رائدة للعلم والثقافة، حيث تسعى دائماً لدعم العلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، مما يعزز من جسور التواصل الحضاري والثقافي بين الأمم.

تأثير عالمي وإقليمي يعزز مسيرة التنمية
تكتسب جائزة الملك فيصل أهمية بالغة على المستويين الإقليمي والدولي، إذ لا يقتصر دورها على التكريم المعنوي والمادي، بل يمتد ليشكل حافزاً قوياً لدفع عجلة البحث العلمي نحو إيجاد حلول مبتكرة للتحديات العالمية. إن تكريم اكتشافات طبية تغير مسار علاج أمراض مستعصية، أو نظريات رياضية تفتح آفاقاً تقنية جديدة، يؤكد دور الجائزة في توجيه البوصلة العلمية نحو ما ينفع البشرية. محلياً، تتماشى هذه الجهود مع تطلعات المملكة لبناء مجتمع معرفي متقدم، بينما تسهم دولياً في إبراز الوجه الحضاري المشرق للعالم الإسلامي.
إنجازات طبية تغير مسار علاج السمنة والسكري
تصدرت جائزة الطب لهذا العام، والتي حملت عنوان «الاكتشافات المؤثرة في علاجات السمنة»، إنجازات البروفيسورة سفيتلانا مويسوف من جامعة روكفلر الأمريكية. جاء هذا التتويج بعد إسهامها الفعال في اكتشاف ببتيد شبيه الغلوكاغون (GLP-1) النشط بيولوجياً. كشفت أبحاثها الرائدة عن دور هذا الهرمون كعنصر محوري يرتبط بمستقبلات في البنكرياس والقلب والدماغ، مما يعزز إفراز الإنسولين بكفاءة عالية. وقد أسهمت هذه الاكتشافات في فتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات الحديثة لمرضى السكري والسمنة، في تحول وصفه مختصون بأنه من أبرز المنعطفات الطبية في العقود الأخيرة.
عبقرية الرياضيات في فك شفرات المعادلات المعقدة
وفي فرع العلوم، ذهبت الجائزة إلى البروفيسور كارلوس كينيج من جامعة شيكاغو، تقديراً لإسهاماته العميقة في التحليل الرياضي، خصوصاً في فهم المعادلات التفاضلية الجزئية غير الخطية. أسهمت أعماله في تطوير أدوات رياضية أصبحت اليوم ركيزة أساسية في العديد من التطبيقات العلمية، بدءاً من ميكانيكا الموائع، مروراً بالألياف الضوئية، ووصولاً إلى تقنيات التصوير الطبي، مما فتح آفاقاً جديدة أمام البحث العلمي والتطبيقات التقنية المتقدمة.

خدمة الإسلام.. تضافر العمل الخيري مع العطاء العلمي
أما في جائزة خدمة الإسلام، فقد جاء التكريم مناصفة بين رئيس مجلس إدارة شركة الفوزان الشيخ عبداللطيف الفوزان، وأستاذ جامعة الأزهر الدكتور محمد أبو موسى. برز الفوزان من خلال منهجيته المتقدمة في العمل الخيري، عبر دعم المبادرات التنموية النوعية وتأسيس «وقف أجواد» كذراع مجتمعية للمبادرات الإنسانية. في المقابل، كُرّم الدكتور أبو موسى لإسهاماته العلمية الثرية، عبر تأليف أكثر من 30 كتاباً في البلاغة العربية، وجهوده في إبراز إعجاز القرآن الكريم، إضافة إلى دوره في ترسيخ الهوية الثقافية من خلال مئات المجالس العلمية في الأزهر الشريف.
الدراسات الإسلامية.. توثيق طرق التجارة من النصوص إلى الميدان
وفي فرع الدراسات الإسلامية، الذي حمل عنوان «طرق التجارة في العالم الإسلامي»، تقاسم الجائزة كل من الدكتور عبدالحميد حمودة، والدكتور محمد حسين. قدم حمودة أعمالاً علمية شاملة تناولت شبكات التجارة البرية والبحرية عبر مناطق متعددة من العالم الإسلامي. بينما تميزت أبحاث محمد حسين بالجمع بين الدراسة الميدانية الدقيقة والتوثيق الجغرافي باستخدام تقنيات (GPS)، مع قراءة علمية تربط النصوص القرآنية بالواقع الجغرافي، خصوصاً في توثيق طريق الإيلاف المكي.

اللغة العربية والأدب.. بناء جسور ثقافية نحو العالمية
أما جائزة اللغة العربية والأدب، فذهبت إلى البروفيسور بيير لارشيه من جامعة إيكس – مارسيليا، تقديراً لجهوده في نقل الأدب العربي إلى القارئ الفرنسي برؤية إبداعية ومنهج علمي رصين. تميز مشروعه بترجمة المعلقات ودراسة الشعر الجاهلي بأسلوب يجمع بين الدقة الأكاديمية والمواءمة الثقافية، ما أسهم في تقديم صورة أكثر عمقاً للأدب العربي في الفضاء الأوروبي، مؤكداً بذلك على عالمية اللغة العربية وقدرتها على التأثير في الثقافات الأخرى.


