تتصاعد حدة التوترات السياسية في بغداد، حيث تهدد الخلافات العميقة داخل «الإطار التنسيقي» الحاكم في العراق بانعقاد الاجتماع المرتقب لحسم مرشح رئاسة الوزراء. وتأتي هذه التباينات الحادة بين قادة التحالف لتزيد من تعقيد أزمة الحكومة العراقية، خاصة فيما يتعلق باختيار الشخصية التي ستتولى المنصب خلال المرحلة القادمة. وتتزامن هذه الخلافات مع دخول الاستحقاق الحكومي مرحلة دستورية ضاغطة، وذلك بعد حسم منصب رئاسة الجمهورية، مما يُلزم الكتلة النيابية الأكبر بتقديم مرشحها لرئاسة الحكومة خلال مدة أقصاها 15 يوماً، وفقاً للمدد الدستورية المعمول بها.
جذور أزمة الحكومة العراقية والانسداد السياسي
لفهم طبيعة أزمة الحكومة العراقية الحالية، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي والسياسي الذي أفرز هذا المشهد. فقد شهد العراق انسداداً سياسياً غير مسبوق منذ إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة في أكتوبر 2021. وتفاقمت الأزمة بشكل ملحوظ بعد قرار التيار الصدري سحب نوابه من البرلمان، مما أفسح المجال أمام «الإطار التنسيقي» ليصبح الكتلة النيابية الأكبر. هذا التحول المفاجئ وضع الإطار أمام مسؤولية تاريخية وقانونية لتشكيل الحكومة، إلا أن غياب التوافق الداخلي وتعدد الرؤى بين قادته جعل من عملية اختيار رئيس للوزراء مهمة بالغة الصعوبة، مما أعاد البلاد إلى مربع التجاذبات السياسية المعقدة.
انشطار التحالف إلى ثلاثة أجنحة متصارعة
لم تعد الخلافات داخل الإطار التنسيقي مجرد تباين في وجهات النظر، بل تطورت إلى انشطار فعلي يقسم التحالف إلى ثلاثة أجنحة رئيسية. يتمسك الجناح الأول بترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، أو أي شخصية تحظى بدعمه الصريح من بين الأسماء المطروحة. في المقابل، يدفع جناح ثانٍ باتجاه إعادة تسمية رئيس حكومة تصريف الأعمال، محمد شياع السوداني، لضمان استمرارية العمل الحكومي. بينما يفضل الجناح الثالث الذهاب إلى خيار «مرشح تسوية» يحظى بقبول أوسع على المستويين الداخلي والخارجي. وقد طُرحت مجموعة من الأسماء على طاولة النقاش، شملت نوري المالكي، محمد شياع السوداني، باسم البدري، علي يوسف الشكري، حميد الشطري، عبدالإله النائلي، ومحسن المندلاوي.
عقدة ترشيح المالكي والمقاطعات الداخلية
تزداد حساسية هذا الخلاف بالنظر إلى أن نوري المالكي كان قد طُرح في الأصل كمرشح رسمي للإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء. إلا أن الحسابات اختلطت لاحقاً بفعل الاعتراضات الداخلية والضغوط الخارجية، وفي مقدمتها الموقف الأمريكي الرافض لعودته، مما أعاد خلط الأوراق ودفع بعض الأطراف للبحث عن بدائل. وفي هذا السياق، تشير المصادر إلى أن العقدة لم تعد محصورة باسم المرشح فحسب، بل امتدت إلى آلية سحب ترشيح المالكي. فالأخير يصر على أن يقدم المعارضون لترشيحه طلبات منفردة وموقعة بأسمائهم لتحميلهم المسؤولية السياسية، بينما يتمسك الرافضون بأن يكون طلب السحب جماعياً وتحت عنوان الإطار التنسيقي لتجنب المواجهة الشخصية. وقد أدى هذا التعنت إلى تأجيل اجتماعات حاسمة بسبب مقاطعة بعض القيادات، والاكتفاء باجتماعات مصغرة لمناقشة الأسماء، حيث يبرز اسم باسم البدري كأحد أبرز مرشحي التسوية.
التداعيات المتوقعة على المشهد المحلي والإقليمي
تحمل هذه الخلافات وتأخر تشكيل الحكومة تداعيات بالغة الأهمية تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد الداخلي، يؤدي استمرار الفراغ السياسي إلى تعطيل إقرار الموازنة العامة، وتوقف المشاريع التنموية، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، مما ينذر بتصاعد الغضب الشعبي وتجدد الاحتجاجات في الشارع العراقي. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن استقرار العراق يُعد ركيزة أساسية لأمن الشرق الأوسط. وتراقب الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة مسار تشكيل الحكومة بحذر شديد، حيث أن أي انزلاق نحو الفوضى قد يؤثر على جهود مكافحة الإرهاب واستقرار أسواق الطاقة العالمية. لذلك، تبرز الحاجة الملحة لتجاوز الخلافات وتشكيل حكومة قادرة على حفظ التوازن في علاقات العراق الخارجية وتلبية تطلعات مواطنيه.


