كشف محافظ صندوق الاستثمارات العامة، الأستاذ ياسر الرميان، عن تفاصيل هامة تتعلق بمستقبل التنمية في المملكة، مؤكداً بشكل قاطع أنه لم يتم إلغاء أي مشروع من مشاريع نيوم. وأوضح خلال المؤتمر الصحفي الحكومي المخصص لعرض استراتيجية الصندوق للفترة من 2026 إلى 2030، أن التوجه الحالي يتركز على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بما يتماشى مع كفاءة التمويل وتحقيق المستهدفات الوطنية الكبرى.
ومنذ إطلاق رؤية المملكة 2030 في عام 2016، برز صندوق الاستثمارات العامة كمحرك رئيسي للتحول الاقتصادي، حيث أخذ على عاتقه مهمة تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. وفي هذا السياق، أوضح الرميان أن مشروع “ذا لاين” الرائد لا يمثل مدينة نيوم بالكامل، بل هو أحد مكوناتها الأساسية، مشدداً على أهمية التمييز بين المشاريع الأساسية والعناصر الداعمة. كما أشار إلى أن منطقة “أوكساجون” الصناعية تُعد ركيزة محورية نظراً لتأثيرها الاقتصادي الكبير ودورها في إعادة صياغة مستقبل الصناعة.
مستقبل مشاريع نيوم وتصنيفها كمنظومة مستقلة
وأفاد المحافظ بأن تصنيف نيوم كمنظومة مستقلة ضمن الاستراتيجية الجديدة يعكس عمق الالتزام بتطوير المشروع وإنجاحه. وتبرز أهمية هذا الحدث محلياً وإقليمياً في كون نيوم تمثل نموذجاً عالمياً للمدن الذكية والمستدامة، مما يجعلها أحد أبرز محركات التحول الاقتصادي في المملكة. دولياً، تسهم هذه الخطوة في طمأنة المستثمرين العالميين حول استقرار الخطط التنموية السعودية، مما يعزز من مكانة المملكة كوجهة استثمارية آمنة ومبتكرة.
تعزيز كفاءة التمويل وجذب الاستثمارات الأجنبية
وبيّن الرميان أن المرحلة القادمة تستهدف تقليل الاعتماد المالي المباشر على الصندوق، وذلك عبر تعزيز كفاءة التمويل وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. إضافة إلى ذلك، يتم العمل على تمكين القطاع الخاص المحلي والدولي من المشاركة الفعالة في المشاريع الكبرى. وذكر أن إعادة ترتيب الاستثمارات هي عملية مستمرة وصحية، مدفوعة بتحولات تكنولوجية متسارعة مثل ثورة الذكاء الاصطناعي، وتغير الأولويات الاقتصادية العالمية.
تأثير التوترات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد
ولم يغفل المحافظ عن التطرق إلى التحديات العالمية، حيث أكد أن تداعيات الصراعات والحروب الراهنة تمتد لتلقي بظلالها على الاقتصاد الدولي. وقد تجلى ذلك في ارتفاع أسعار النفط، وتكاليف الشحن والتأمين، وأسعار المواد الغذائية. إلى جانب ذلك، برزت اضطرابات واضحة في سلاسل الإمداد العالمية التي أثرت بشكل مباشر على قطاعات صناعية وتقنية حيوية، من أبرزها صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات. ومع ذلك، شدد على أن استراتيجية الصندوق طويلة الأجل ولا تتأثر بالمتغيرات المرحلية المؤقتة، إذ تمتد خططها حتى عام 2030، مع وجود آليات لمراجعات دورية مرنة للأولويات الاستثمارية.
المرونة الاستثمارية وإعادة التموضع المالي
وحول تأثير التوترات الجيوسياسية على الاستثمارات والصفقات الخارجية، قال الرميان: “إن الصندوق يقوم بمراجعة مستمرة وديناميكية لجميع الاستثمارات والأولويات، سواء في ظل الأزمات أو خارجها، وإعادة التقييم هي جزء أصيل من منهجية العمل الاستثماري للصندوق”. ولفت إلى أن هذه المراجعات لا تعني بالضرورة إلغاء استثمار بعينه أو استبداله فوراً بآخر، بل تعكس إدارة حصيفة ومرنة للأولويات وفق المعطيات الاقتصادية والسياسية. وأشار إلى أن التحديات العالمية تفرض بطبيعة الحال ضغطاً أكبر على عملية إعادة التموضع لبعض الاستثمارات لضمان تحقيق أعلى العوائد.
تحول استراتيجي: دمج القطاعات وتعظيم الأثر الاقتصادي
وأضاف المحافظ أن الصندوق يعمل كمستثمر تنموي يوازن بدقة بين العائد المالي والأثر الاقتصادي المستدام. تاريخياً، أسهم الصندوق منذ تأسيسه في تطوير قطاعات حيوية، قبل أن يشهد تحولاً نوعياً بعد عام 2015 نحو دمج الاستدامة المالية مع الأهداف التنموية الشاملة. وقد قاد الصندوق إطلاق مشاريع كبرى مثل مشروع البحر الأحمر والقدية، وأسهم في خلق آلاف فرص العمل وتعزيز الشراكات الاستراتيجية. وأشار إلى أن استراتيجية 2026-2030 تركز على تحويل 13 قطاعاً إلى 6 منظومات اقتصادية متكاملة، عبر ثلاث محافظ استثمارية تشمل الاستثمارات الاستراتيجية والمالية ومحفظة الرؤية، بهدف تعظيم الأثر الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
إنجازات ملموسة: صفقات مليارية ودعم سوق العمل
وفي القطاع الرياضي، كشف الرميان عن قرب الإعلان عن بيع حصة الصندوق في أحد الأندية، مؤكداً أن الهدف من هذا الاستثمار كان تحسين الحوكمة والاستدامة المالية، وهو ما أثمر عن ارتفاع إيرادات المباريات بنسبة 120%، مع التوجه مستقبلاً للتخارج الجزئي. وعلى صعيد الأثر الاقتصادي الكلي، أوضح أن الصندوق أسهم بنحو ثلث نمو الناتج المحلي غير النفطي بين عامي 2021 و2024، ووفر 12 ألف وظيفة في مجالات التصميم الهندسي، في إطار جهوده لدعم سوق العمل وتوفير فرص نوعية للشباب السعودي. واختتم بالإشارة إلى أن مبادرة مستقبل الاستثمار، منذ انطلاقها، شهدت عقد صفقات واتفاقيات تتجاوز قيمتها 250 مليار دولار، مما يعكس حجم الحضور الاستثماري للمملكة على الساحة الدولية وجاذبية بيئة الأعمال.


