برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الإدارة، أقر المجلس رسمياً إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للمرحلة الممتدة بين 2026 و2030. تأتي هذه الخطوة استكمالاً للتوجيهات طويلة الأمد التي تهدف إلى بناء منظومات اقتصادية محلية تتمتع بقدرات تنافسية عالية. وتركز الإستراتيجية الجديدة على دعم التكامل بين مختلف القطاعات، وتعظيم قيمة الأصول، وضمان استدامة العوائد المالية، مما يسهم بشكل مباشر في مواصلة مسيرة التحول الاقتصادي الشامل في المملكة العربية السعودية والارتقاء بجودة حياة المواطنين.
مسيرة التحول: من التأسيس إلى إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة
منذ إعادة هيكلة الصندوق في عام 2015 ونقل مرجعيته إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة سمو ولي العهد، شهد الصندوق تحولات جذرية جعلته المحرك الأساسي للاقتصاد السعودي. لم يكن الصندوق مجرد محفظة استثمارية، بل تحول إلى أداة سيادية فاعلة تقود التنوع الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط. وتمثل الإستراتيجية الجديدة تقدماً طبيعياً ينتقل بالصندوق من مرحلة التأسيس والنمو السريع والتوسع، إلى مرحلة متقدمة تركز على تحقيق القيمة المستدامة، وتعظيم الأثر الاقتصادي، ورفع كفاءة الاستثمارات. كما تلتزم هذه المرحلة بتطبيق أعلى المعايير العالمية في الحوكمة والشفافية والتميز المؤسسي، مع إعطاء دور محوري للقطاع الخاص كشريك أساسي في التنمية المستدامة.
ثلاث محافظ استثمارية تقود المستقبل
تتوزع استثمارات الصندوق خلال المرحلة القادمة على ثلاث محافظ رئيسية. الأولى هي «محفظة الرؤية»، والتي تهدف إلى تعزيز التكامل بين القطاعات الإستراتيجية ذات الأولوية، ودفع عجلة نمو الاقتصاد المحلي. سيتم ذلك عبر تطوير ست منظومات اقتصادية متكاملة تشمل: السياحة والسفر والترفيه، التطوير العمراني، الصناعات المتقدمة والابتكار، الصناعة والخدمات اللوجستية، البنية التحتية للطاقة النظيفة والمياه، بالإضافة إلى مشروع «نيوم».
أما المحفظة الثانية، «محفظة الاستثمارات الإستراتيجية»، فتركز على إدارة الأصول وتعظيم عوائدها، وتحويل شركات الصندوق إلى كيانات عالمية رائدة. في حين تركز المحفظة الثالثة، «محفظة الاستثمارات المالية»، على تحقيق عوائد مستدامة تعزز المركز المالي للصندوق وتنمي الثروة الوطنية للأجيال القادمة من خلال الاستثمار المباشر وغير المباشر في الأسواق العالمية.
الأبعاد الاقتصادية والتأثير الشامل محلياً ودولياً
يحمل إقرار هذه الإستراتيجية أهمية كبرى تتجاوز الحدود المحلية لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية واسعة. على الصعيد المحلي، تسهم الإستراتيجية في خلق مئات الآلاف من فرص العمل، ودعم المحتوى المحلي، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة لتكون جزءاً من سلاسل الإمداد للمشاريع الكبرى. إقليمياً، يعزز الصندوق مكانة المملكة كمركز مالي واستثماري رائد في الشرق الأوسط، مما يجذب رؤوس الأموال الأجنبية ويحفز الشراكات الإقليمية.
أما على الصعيد الدولي، فإن الصندوق يرسخ مكانته كصانع قرار مؤثر في الاقتصاد العالمي. من خلال الاستثمار في قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي، الألعاب الإلكترونية، والطاقة المتجددة، يساهم الصندوق في صياغة توجهات الأسواق العالمية، مستفيداً من التصنيفات الائتمانية المرتفعة التي حصل عليها من وكالات عالمية مثل «موديز» (Aa3) و«فيتش» (A+)، مما يعكس الثقة الدولية الكبيرة في متانة مركزه المالي.
مضاعفة الأصول والبناء على الإنجازات السابقة
أكد معالي الأستاذ ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، أن الصندوق تمكن خلال أقل من عقد من إطلاق مشاريع كبرى غير مسبوقة، ومضاعفة أصوله تحت الإدارة إلى ستة أضعاف. وأشار إلى أن الإستراتيجية الجديدة ستواصل البناء على ما تحقق في الفترة (2021 – 2025)، حيث ارتفعت الأصول من 500 مليار ريال في 2015 إلى ما يفوق 3.4 تريليون ريال. كما ساهم الصندوق بنحو 910 مليارات ريال في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي، وأنفق حوالي 590 مليار ريال لتعزيز المحتوى المحلي. ستحدد هذه الإستراتيجية مسار الصندوق لعقود قادمة، ليظل المحرك الأقوى لازدهار المملكة الاقتصادي.


