تتسارع الخطى داخل أروقة صنع القرار في القارة العجوز لصياغة استراتيجية دفاعية جديدة، حيث تدرس دول أوروبية بارزة تسريع العمل على خطة طوارئ شاملة تهدف إلى تعزيز الدور الأوروبي داخل حلف شمال الأطلسي. وتأتي هذه التحركات، التي يُشار إليها في الأوساط السياسية باسم الناتو الأوروبي، تحسباً لاحتمال تراجع الدعم الأمريكي أو انسحاب الولايات المتحدة بالكامل في حال عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن هذه الخطة تهدف إلى تمكين أوروبا من تولي أدوار قيادية أكبر، مع تعويض القدرات الأمريكية بشكل تدريجي ومدروس.
الجذور التاريخية للاعتماد الأوروبي على المظلة الأمريكية
لفهم حجم هذا التحول، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي. منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اعتمدت الدول الأوروبية بشكل شبه كامل على المظلة الأمنية والنووية للولايات المتحدة لمواجهة تهديدات الاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة. هذا الاعتماد التاريخي أدى بمرور العقود إلى تراجع ملحوظ في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، مما خلق فجوة عسكرية وتكنولوجية واسعة بين ضفتي الأطلسي. ولذلك، فإن التفكير الحالي في بناء قدرات ذاتية يمثل كسراً لعقيدة عسكرية استمرت لأكثر من سبعة عقود، ومحاولة جادة لإعادة صياغة التوازن الأمني داخل التحالف الغربي.
نقطة تحول ألمانية نحو الاستقلال الدفاعي
أشار التقرير إلى أن نقطة التحول الأساسية في هذا المسار جاءت من ألمانيا، التي طالما عارضت فكرة الاستقلال الدفاعي الأوروبي مفضلة الاعتماد على واشنطن، وهو توجه كانت فرنسا تعارضه لسنوات داعية إلى استقلالية استراتيجية. وقد فتح التحول الألماني الباب أمام توافق أوسع بين دول أوروبية للعمل ضمن ما يشبه «تحالف الراغبين» داخل الناتو. وأوضح التقرير أن السياسي الألماني فريدريش ميرتس غيّر هذا المسار بسبب تزايد شكوكه حول مدى موثوقية الاعتماد على واشنطن، خصوصاً في ظل موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية، وتوصله إلى قناعة بأن السياسة الأمريكية لم تعد تستند إلى قيم واضحة.
ملامح خطة الناتو الأوروبي لتعزيز الردع العسكري
أكد مسؤولون مشاركون في المناقشات أن الهدف من الناتو الأوروبي ليس إنشاء تحالف بديل يمزق التحالف الأصلي، بل الحفاظ على استمرارية الردع العسكري ضد روسيا وضمان بقاء الحلف فاعلاً. ونقل التقرير عن الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب تأكيده أن نقل العبء الدفاعي إلى أوروبا «جارٍ بالفعل وسيستمر»، مشدداً على ضرورة أن يتم ذلك بشكل منسق لتجنب أي فراغ أمني. وتشمل الخطط التنفيذية تحديد الجهة التي ستتولى إدارة أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتأمين خطوط الإمداد نحو بولندا ودول البلطيق، وإعادة تنظيم شبكات اللوجستيات العسكرية. كما تتضمن الخطط بحث إعادة التجنيد الإجباري في بعض الدول، وتقليص الفجوة التكنولوجية في مجالات الحرب المضادة للغواصات، والفضاء، والاستطلاع، والتزود بالوقود جواً.
التداعيات الإقليمية والدولية للتحول الأمني في أوروبا
يحمل هذا التوجه الاستراتيجي أهمية بالغة وتأثيرات متوقعة على عدة أصعدة. محلياً، سيفرض على الحكومات الأوروبية زيادة ميزانياتها الدفاعية بشكل غير مسبوق، مما قد يؤثر على السياسات الاقتصادية الداخلية. إقليمياً، يبعث هذا التحرك برسالة ردع قوية وحازمة إلى روسيا، مفادها أن الجناح الشرقي لأوروبا سيظل محصناً حتى وإن تغيرت الإدارة في واشنطن. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح أوروبا في بناء قوة عسكرية متكاملة سيؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، مما يمهد الطريق لظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب تلعب فيه أوروبا دوراً سيادياً ومستقلاً بعيداً عن التبعية المطلقة للولايات المتحدة.
تحديات هيكلية تواجه الاستقلالية الأوروبية
رغم الطموحات الكبيرة، تبدو التحديات هائلة؛ إذ إن هيكل الناتو مبني بالكامل حول القيادة الأمريكية على كافة المستويات، بدءاً من الخدمات اللوجستية والاستخبارات، وصولاً إلى أنظمة الإنذار المبكر والردع النووي. واعتبر التقرير أنه لا يوجد حتى الآن قائد عسكري أوروبي يحظى بالثقل والمكانة اللازمين ليحل محل «القائد الأعلى لقوات الحلفاء»، وهو منصب أمريكي تقليدياً. ويعتقد مسؤولون أوروبيون أن استبدال هذه القدرات الحيوية، التي تآكلت بسبب سنوات من ضعف الإنفاق الدفاعي، لن يكون ممكناً على المدى القصير، خاصة في مجالات حساسة مثل الأقمار الصناعية للإنذار المبكر.


