كشفت لجنة حكومية يمنية تفاصيل مروعة حول الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي ضربت البلاد، حيث أعلنت عن ارتفاع أعداد ضحايا فيضانات تعز الأخيرة التي اجتاحت المحافظة بشكل غير مسبوق. وأكدت السلطات أن السيول الجارفة ألحقت بالمدينة أضراراً بالغة الخطورة، مشيرة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الكارثة لم يكن ضمن نطاق التوقعات، مما فاقم من حجم المعاناة الإنسانية في ظل ظروف معيشية قاهرة يعاني منها السكان.
تراكمات الأزمات: البنية التحتية في مواجهة التغير المناخي
تأتي هذه الكارثة في وقت يعاني فيه اليمن من تبعات صراع مسلح مستمر منذ أواخر عام 2014، والذي أدى إلى تدهور حاد في البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك شبكات تصريف المياه والطرق والجسور. تاريخياً، تعتبر محافظة تعز ذات تضاريس جبلية وعرة تجعلها عرضة للسيول الجارفة خلال مواسم الأمطار. ومع تزايد حدة التغيرات المناخية العالمية، شهدت المنطقة تطرفاً في الظواهر الجوية، حيث تزايدت معدلات الهطول المطري بشكل يفوق القدرة الاستيعابية للأرض والمنشآت المتهالكة، مما جعل المحافظة تقف عاجزة أمام غضب الطبيعة في ظل غياب الصيانة الدورية ومعدات الطوارئ.
قصص من الألم: جهود إنقاذ تتحدى الصعاب
عاشت مدينة تعز، الواقعة جنوب غرب اليمن، فصولاً قاسية من الألم والحزن إثر تداعيات غرق الطفلين أيلول السامعي ومجاهد المحولي، اللذين جرفتهما سيول الأمطار العنيفة. ورغم الجهود المضنية، فشلت محاولات إنقاذ الطفل مجاهد، وحيد أمه، من الغرق. في المقابل، خطفت تفاصيل رحلة إنقاذ الطفل أيلول قلوب السكان، حيث استمرت العملية نحو 18 ساعة متواصلة من السباحة والغطس في مياه ملوثة، والزحف داخل أنفاق مظلمة، والمشي لمسافة تتجاوز خمسة كيلومترات ونصف. وتجاوزت رحلة البحث التي قادها متطوعون خطوط التماس العسكرية لأول مرة، وصولاً إلى مناطق سيطرة الحوثيين، لكنهم للأسف لم يتمكنوا من إعادته لأسرته حياً، مما يعكس حجم المأساة الإنسانية المعقدة.
حصيلة ثقيلة لضحايا فيضانات تعز وتدمير الممتلكات
أظهر التقرير الحكومي الرسمي حجم الكارثة الحقيقي، حيث تسببت فيضانات تعز في سقوط 22 قتيلاً، بالإضافة إلى فقدان وإصابة 21 شخصاً آخرين. هذه الحصيلة المفجعة فاقت جميع التوقعات والتقديرات الأولية لحجم الأضرار البشرية والمادية. وخلال اجتماع موسع عُقد في المحافظة، أوضح وزير الإدارة المحلية ورئيس اللجنة، بدر باسلمة، أن السيول أدت إلى تضرر مئات المنازل وتشريد أكثر من 12 ألف أسرة يمنية، ناهيك عن الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، والطرق الرئيسية والفرعية، والمساحات الزراعية التي يعتمد عليها السكان في قوت يومهم.
التداعيات المستقبلية ونداءات الاستغاثة الدولية
لا تقتصر أهمية هذا الحدث على الخسائر الآنية، بل تمتد لتشمل تأثيرات عميقة على المستويين المحلي والإقليمي. محلياً، تنذر الكارثة بتفشي الأمراض والأوبئة نتيجة تلوث المياه وتضرر شبكات الصرف الصحي، فضلاً عن أزمة نزوح داخلي تفاقم من معاناة المخيمات المكتظة. ودولياً، تضع هذه الأزمة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أمام مسؤولية أخلاقية كبرى. وفي هذا السياق، شدد الوزير باسلمة على ضرورة الانتقال من “منهجية التقارير” إلى إعداد برنامج تعافٍ شامل يتم تسويقه دولياً لحشد الدعم المالي واللوجستي اللازم لإعادة الإعمار واستعادة سبل العيش. من جهته، عزا محافظ تعز، نبيل شمسان، تفاقم الأضرار إلى تعثر استكمال منظومة تصريف السيول واحتجاز معدات الصيانة جراء الحرب والحصار المستمر على المحافظة، داعياً إلى استجابة عاجلة تتجاوز المساعدات المحدودة، ومؤكداً بدء السلطة المحلية في حصر الخسائر تمهيداً لتدخلات عملية سريعة لمعالجة آثار الكارثة.


