تشير أحدث التقارير الاستراتيجية إلى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران في المستقبل القريب لن تتخذ شكل الحرب الشاملة أو الواسعة التي شهدتها المنطقة في فترات سابقة. وتتوقع تقديرات إسرائيلية أمنية وعسكرية أن أي عودة للتوترات المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وطهران من جهة أخرى، لن تكون بالوتيرة نفسها التي اتسمت بها المواجهات خلال الأربعين يوماً الماضية. بل على العكس، من المرجح أن تكون العمليات أقل حدة وأكثر انتقائية، مع التركيز بشكل مكثف على أهداف استراتيجية ذات تأثير بالغ، لا سيما في حال انهيار الهدنة أو التفاهمات المؤقتة تحت وطأة التطورات البحرية أو الإقليمية المتسارعة.
الجذور التاريخية قبل أي مواجهة عسكرية مع إيران
لفهم طبيعة الصراع الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي الممتد لعقود من التوتر غير المباشر، أو ما يُعرف بـ “حرب الظل”. منذ سنوات طويلة، تعتمد إسرائيل والولايات المتحدة سياسة الردع لمنع طهران من تطوير قدرات نووية عسكرية وتوسيع نفوذها الإقليمي عبر حلفائها في المنطقة. وقد تخلل هذا الصراع هجمات سيبرانية، وعمليات استخباراتية معقدة، واستهداف متبادل للسفن التجارية في المياه الدولية. هذه الخلفية التاريخية تجعل من أي تصعيد جديد حلقة في سلسلة طويلة من محاولات فرض المعادلات الأمنية، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب استراتيجية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تدمر البنية التحتية وتستنزف الموارد الاقتصادية.
الاستعدادات الميدانية ومراقبة الترسانة الصاروخية
في ظل هذه المعطيات، أفادت تقارير إعلامية، من بينها ما نقلته القناة الـ13 الإسرائيلية، بأن القيادة العسكرية الإسرائيلية أصدرت تعليمات واضحة للجيش برفع مستوى الاستعداد لاحتمال انهيار أي وقف لإطلاق النار. وفي الوقت ذاته، يواصل جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مراقبة تحركات الصواريخ الباليستية الإيرانية عن كثب. وتُقدّر إسرائيل أن طهران لا تزال تمتلك ترسانة ضخمة تضم نحو ألف صاروخ باليستي وما يقارب 150 منصة إطلاق. هذا يعني بوضوح أن القدرة الإيرانية على الرد لم تُستنزف كلياً، وأن أي جولة جديدة من التصعيد قد تبدأ بضربة مفاجئة أو باستئناف إطلاق الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي، مما يفسر تصريحات ضباط رفيعي المستوى بأن الجيش الإسرائيلي يظل في حالة تأهب قصوى.
التداعيات الإقليمية والدولية لأمن المضائق البحرية
لا يقتصر التقدير الإسرائيلي الحالي على تحليل ما قد تفعله طهران بشكل مباشر، بل يمتد ليشمل التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على أي حصار بحري أمريكي محتمل لمضيق هرمز. يُعد هذا المضيق شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. وترى إسرائيل أن استخدام واشنطن لهذه الخطوة كأداة ضغط قاسية قد يدفع إيران إلى ردود فعل متسلسلة لا تنحصر في منطقة الخليج العربي فحسب، بل قد تمتد لتشمل ساحات أخرى، خصوصاً في لبنان. وبالتالي، تتعامل تل أبيب مع أي تطور أمني في المضيق على أنه مقدمة محتملة لتصعيد إقليمي متعدد الجبهات، مما يؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية ويزيد من تعقيد الحسابات الدبلوماسية للقوى الكبرى.
سيناريوهات الرد وإدارة التوازنات السياسية
بناءً على هذه التحليلات، يخلص التقدير الإسرائيلي إلى أن منطقة الشرق الأوسط قد تكون أمام سلسلة مترابطة من الأحداث المعقدة: بدءاً من توترات بحرية في مضيق هرمز، مروراً برد إيراني محتمل، وصولاً إلى تصعيد على الجبهة اللبنانية، واستعداد أمريكي-إسرائيلي لرد سريع. ومع ذلك، لا تتوقع تل أبيب، في حال استؤنفت العمليات العسكرية، عودة فورية إلى مواجهة بالحجم والحدة السابقين. بل تتجه التوقعات نحو جولة مختلفة، تكون أضيق نطاقاً وأشد انتقائية، وتستهدف شل قدرات محددة دون إشعال المنطقة بالكامل. هذا النهج يعكس رغبة واضحة في إدارة التوازنات السياسية والعسكرية بدقة متناهية بالتنسيق المستمر مع واشنطن، لضمان تحقيق الأهداف الأمنية بأقل تكلفة ممكنة.


