في ظل استمرار الصراع الدامي، تتفاقم أزمة الغذاء في السودان بشكل غير مسبوق، مما يثير مخاوف المجتمع الدولي من كارثة إنسانية وشيكة. كشف تقرير حديث نشرته مجموعة من المنظمات غير الحكومية البارزة، يوم الإثنين، عن واقع مأساوي يعيشه ملايين السودانيين الذين باتوا يعتمدون على وجبة واحدة فقط في اليوم للبقاء على قيد الحياة.
وأوضح التقرير المشترك، الذي أعدته منظمات رائدة مثل “العمل ضد الجوع”، و”هيئة كير الدولية”، و”لجنة الإنقاذ الدولية”، و”ميرسي كور”، و”المجلس النرويجي للاجئين”، أن العائلات في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، وتحديداً في شمال دارفور وجنوب كردفان، لا تتناول سوى وجبة يتيمة يومياً. وأشار التقرير بوضوح إلى أن الكثيرين يمضون أياماً كاملة دون أي طعام، مما دفعهم للجوء إلى خيارات يائسة مثل أكل أوراق الشجر وأعلاف الحيوانات من أجل سد رمقهم.
جذور الصراع وتأثيره على أزمة الغذاء في السودان
لفهم حجم المأساة، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. اندلعت الحرب الطاحنة في منتصف أبريل من عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتدخل البلاد في نفق مظلم من العنف والدمار. هذا الصراع، الذي يدخل عامه الثالث، لم يقتصر على المواجهات العسكرية، بل امتد ليدمر البنية التحتية الاقتصادية والزراعية للبلاد. وقد فصل التقرير الحقوقي، استناداً إلى مقابلات مع مزارعين وتجار وعاملين في مجال الإغاثة، كيف دفعت هذه الحرب السكان إلى أتون المجاعة نتيجة تعطل الزراعة بشكل شبه كامل.
علاوة على ذلك، تم استخدام التجويع كسلاح فتاك في هذه الحرب، حيث شهدت البلاد تدميراً متعمداً للمزارع والأسواق الحيوية، مما أدى إلى شلل تام في سلاسل الإمداد الغذائي وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية المتبقية.
أرقام صادمة: خريطة الجوع وانعدام الأمن الغذائي
بحسب خطة الحاجات الإنسانية والاستجابة لعام 2026، فإن الأرقام تعكس كارثة حقيقية؛ إذ يعاني نحو 61.7% من سكان السودان، أي ما يعادل 28.9 مليون نسمة، من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وقد أكدت الأمم المتحدة وقوع فظائع واسعة النطاق وموجات من العنف على أساس عرقي زادت من تعقيد المشهد.
في نوفمبر الماضي، أعلن مرصد عالمي للجوع للمرة الأولى عن وجود مجاعة فعلية في مدينة الفاشر، وكذلك في كادوقلي. كما أشار “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، وهو مرصد عالمي مدعوم من الأمم المتحدة، إلى أن مستويات سوء التغذية الحاد قد تجاوزت معايير المجاعة في مناطق مثل أمبرو وكرنوي.
معاناة مضاعفة للنساء والفتيات وسط انهيار الإغاثة
لم تقتصر تداعيات الكارثة على الجوع فقط، بل امتدت لتشمل انهيار شبكات التكافل الاجتماعي. فقد ذكر التقرير أن المطابخ الجماعية والخيرية باتت عاجزة بشكل متزايد عن تلبية الحاجات المتنامية للسكان، خاصة في ظل التخفيضات الكبيرة في تمويل الجهات المانحة، مما يعيق قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة الفعالة.
وأكدت المنظمات أن النساء والفتيات تضررن بدرجة أكبر من هذه الأزمة. فهن يواجهن خطراً كبيراً يتمثل في التعرض للاغتصاب والتحرش عند الخروج للبحث عن الطعام، أو التوجه إلى الحقول، أو زيارة الأسواق، أو جلب المياه. وأضاف التقرير حقيقة مفجعة تفيد بأن الأسر التي تعيلها نساء هي أكثر عرضة بثلاثة أمثال لانعدام الأمن الغذائي مقارنة بالأسر التي يعيلها رجال.
التداعيات الإقليمية والدولية للكارثة الإنسانية
إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع يتجاوز الحدود المحلية للسودان ليخلق أزمة إقليمية ودولية كبرى. فمع استمرار تفاقم الجوع ونزوح الملايين داخلياً، تزداد موجات اللجوء نحو الدول المجاورة مثل تشاد ومصر وجنوب السودان، مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد الاقتصادية والأمنية لهذه الدول التي تعاني بدورها من تحديات تنموية.
على الصعيد الدولي، تمثل هذه الأزمة واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم في العصر الحديث. وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي حقيقي بضرورة التدخل العاجل لوقف إطلاق النار، وتأمين ممرات إنسانية آمنة، وزيادة التمويل الإغاثي لإنقاذ ملايين الأرواح التي تحصدها آلة الحرب والجوع يومياً.


