صوّت مجلس النواب العراقي مؤخراً بأغلبية ساحقة بلغت 227 صوتاً لصالح انتخاب السياسي الكردي البارز لتولي منصب الرئاسة. وبذلك، تسلم رئيس العراق الجديد نزار آميدي مهام منصبه رسمياً في قصر السلام، لينهي بذلك مرحلة من الترقب السياسي التي أعقبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة. تفتح هذه الخطوة الدستورية باباً جديداً في المشهد العراقي، حيث تتجه الأنظار نحو قدرة الرئيس الجديد على إدارة التوازنات المعقدة في البلاد.
السياق التاريخي والتوافق السياسي في العراق
يأتي انتخاب رئيس الجمهورية في العراق ضمن سياق تاريخي وسياسي معقد يعتمد على نظام المحاصصة التوافقية الذي أُقر بعد عام 2003. جرى العرف السياسي العراقي على أن يكون منصب رئيس الجمهورية من حصة المكون الكردي، وتحديداً من نصيب الاتحاد الوطني الكردستاني في أغلب الدورات السابقة. إن إنهاء هذا الاستحقاق الدستوري يمثل خطوة حاسمة نحو استقرار المؤسسات الدستورية وتشكيل الحكومات، مما يعكس أهمية التوافق بين الكتل السياسية الكبيرة لضمان سير العملية الديمقراطية وتجاوز الأزمات السياسية التي غالباً ما ترافق فترات ما بعد الانتخابات.
من هو رئيس العراق الجديد نزار آميدي؟
وُلد نزار محمد سعيد آميدي في السادس من فبراير عام 1968 في قضاء العمادية التابع لمحافظة دهوك بشمالي العراق. نشأ في بيئة كردية أصيلة، وهو متزوج وأب لأربعة أبناء. يحمل آميدي درجة البكالوريوس في هندسة الميكانيكا من جامعة الموصل العريقة. وقد ساهم إتقانه التام للغتين العربية والكردية في تعزيز حضوره وتواصله الفعال في المشهدين السياسي المحلي والاتحادي، مما جعله شخصية مقبولة لدى مختلف الأطراف السياسية.
التدرج في صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني
يُعد آميدي من الوجوه السياسية البارزة والمؤثرة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني. تدرج بخطى ثابتة في الهياكل التنظيمية للحزب حتى نال ثقة قياداته ليصبح عضواً في المجلس القيادي. وفي عام 2022، انضم إلى ائتلاف إدارة الدولة، وهو التحالف الذي شكل الحكومة الحالية. استمر في صعوده السياسي ليدخل المكتب السياسي للحزب في عام 2023، وتولى لاحقاً مسؤولية مكتب الحزب في العاصمة بغداد خلال عام 2024، مما رسخ مكانته في قلب مركز القرار السياسي العراقي.
خبرة رئاسية متراكمة وإدارة للملفات السيادية
لم يكن قصر السلام غريباً على آميدي، فقد امتدت خبرته في العمل الرئاسي لسنوات طويلة. شغل منصب مستشار لرئيس الجمهورية خلال الفترة الممتدة من عام 2005 وحتى عام 2022. خلال هذه الفترة الذهبية، عمل عن قرب مع ثلاثة رؤساء جمهورية متعاقبين: الراحل جلال طالباني، وفؤاد معصوم، وبرهم صالح. هذه الملازمة الطويلة لقيادات الدولة أكسبته خبرة إدارية وسياسية عميقة، وجعلته ملماً بأدق تفاصيل إدارة الملفات السيادية والتوازنات الداخلية والخارجية.
من وزارة البيئة إلى أعلى منصب بروتوكولي
في عام 2022، تسلم آميدي حقيبة وزارة البيئة في حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. استمر في هذا المنصب التنفيذي حتى أواخر عام 2024، حيث برز دوره بشكل لافت في معالجة ملفات التغير المناخي التي تهدد العراق، وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال. قادته هذه النجاحات للانتقال اليوم إلى أعلى منصب بروتوكولي وسيادي في الدولة العراقية.
التأثير المتوقع للرئيس الجديد محلياً وإقليمياً
يُتوقع أن يكون لانتخاب الرئيس الجديد تأثير إيجابي ملموس على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. على الصعيد المحلي، يمثل وجود شخصية توافقية وخبيرة مثل آميدي ضمانة لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين في بغداد وأربيل، وحل الملفات العالقة. أما إقليمياً ودولياً، فإن الحضور الدولي الواسع الذي يتمتع به آميدي سيعزز من مكانة العراق الدبلوماسية. فقد شارك سابقاً في قمم عربية في مصر، الجزائر، تونس، السعودية، والكويت، ومثل العراق في مؤتمرات المناخ العالمية مثل ‘COP21’ في باريس وترأس وفد بلاده في ‘COP28’ بالإمارات. كما شارك في اجتماعات أممية بارزة في نيروبي ونيويورك، وأجرى زيارات رسمية شملت جنيف، واشنطن، طهران، مسقط، وسانت بطرسبرغ. هذا الرصيد الدبلوماسي يجعله مؤهلاً بقوة لقيادة مرحلة التوازنات الدقيقة، وإعادة تقديم العراق كفاعل إيجابي ومستقر في محيطه الإقليمي والدولي.


