شهدت المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد تعثراً واضحاً، وذلك في ظل تمسك طهران بمواقفها حيال عدد من القضايا الإقليمية والنووية الحساسة. وفي حين صرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن بلاده مستعدة للتوصل إلى اتفاق متوازن وعادل، كشفت وسائل إعلام غربية عن تفاصيل العراقيل التي اعترضت هذه المحادثات وأدت إلى فشلها في الوقت الراهن، وعلى رأسها رفض طهران القاطع للمطالب الأمريكية بوقف دعم وتمويل وكلائها في منطقة الشرق الأوسط.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أمريكي مطلع تأكيده أن إيران رفضت طلباً مباشراً بوقف تخصيب اليورانيوم وتفكيك منشآت التخصيب الرئيسية. وأضاف المسؤول أن طهران رفضت أيضاً دعوة صريحة لوقف تمويل حركة حماس الفلسطينية، وحزب الله اللبناني، وجماعة الحوثي في اليمن. كما شملت المطالب الأمريكية المرفوضة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الملاحة الدولية، والذي يُعد الممر المائي الأهم والأكثر حيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
جذور الخلاف وتاريخ المفاوضات الأمريكية الإيرانية
تعود جذور التوترات الحالية إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. منذ ذلك الحين، سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى كبح جماح البرنامج النووي الإيراني والحد من النفوذ الإقليمي لطهران. وتأتي المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأخيرة في باكستان كمحاولة جديدة لكسر الجليد، إلا أن تمسك إيران ببرنامجها النووي واستمرارها في دعم الفصائل المسلحة يعكسان استراتيجية دفاعية متجذرة في سياستها الخارجية منذ عقود، مما يجعل التوصل إلى تسوية شاملة أمراً بالغ التعقيد.
وفي سياق متصل، أقر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بوجود اختلافات جوهرية حول قضيتين مهمتين لم تفضِ إلى اتفاق، دون أن يكشف عن طبيعتهما. إلا أن موقع «أكسيوس» الإخباري الأمريكي نقل عن مصادر مطلعة أن الخلافين يتمحوران حول مطالبة إيران بالسيطرة على مضيق هرمز، ورفضها التام للتخلي عن مخزونها الاستراتيجي من اليورانيوم المخصب.
التداعيات الإقليمية والدولية لتعثر المحادثات
يحمل فشل هذه الجولة من المحادثات تداعيات خطيرة على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يعني استمرار الدعم المالي والعسكري للفصائل المسلحة إطالة أمد الصراعات في غزة، ولبنان، واليمن، مما يهدد استقرار الشرق الأوسط بأسره. أما دولياً، فإن التهديد المستمر لحركة الملاحة في مضيق هرمز يضع أمن الطاقة العالمي في دائرة الخطر، حيث يمر عبر هذا المضيق نحو خُمس استهلاك العالم من النفط. هذا التصعيد قد يدفع القوى الكبرى إلى تعزيز تواجدها العسكري في المنطقة لحماية خطوط التجارة الدولية.
من جهته، أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في تصريحات لشبكة «سي إن إن» الأمريكية، أن محادثات السلام بين واشنطن وطهران لم تنتهِ كلياً رغم عدم التوصل إلى اتفاق، واصفاً إياها بأنها تمر بحالة «جمود» مؤقت. ودعم وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار هذا التوجه، معلناً استمرار جهود الوساطة لتيسير التواصل في الأيام القادمة. وفي غضون ذلك، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن الرئيس بزشكيان قوله خلال اتصال هاتفي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، إن طهران مستعدة لاتفاق يضمن السلام والأمن، معتبراً أن التوصل إلى تسوية ليس ببعيد إذا ما عادت أمريكا إلى إطار القانون الدولي.


