يعيش الشارع اللبناني حالة من الترقب الحذر، حيث ينتظر المستوى الرسمي الرد الأمريكي على المفاوضات مع إسرائيل، وذلك في ظل استمرار التصعيد العسكري الميداني. وفيما يخيم الهدوء النسبي والمؤقت على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، تواصل القوات الإسرائيلية قصفها العنيف لبلدات جنوب لبنان، عقب سلسلة من التهديدات المباشرة باستهداف الأحياء السكنية وتدمير البنى التحتية.
جذور الصراع ومسار الرد الأمريكي على المفاوضات مع إسرائيل
تاريخياً، لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً محورياً في الوساطة بين لبنان وإسرائيل، ولعل أبرز محطاتها القريبة هو اتفاق ترسيم الحدود البحرية في عام 2022. إلا أن المشهد الحالي، الذي تفجر عقب أحداث السابع من أكتوبر وفتح “جبهة الإسناد” اللبنانية، جعل المسار الدبلوماسي أكثر تعقيداً. ويبقى القرار الأممي 1701، الذي أنهى حرب تموز عام 2006، المرجعية الأساسية لأي حل دبلوماسي دولي مطروح. وفي الوقت الراهن، تصر الحكومة اللبنانية على ضرورة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار قبل الدخول في أي جولة جديدة من المباحثات، وهو موقف ينبع من تجارب تاريخية ترفض التفاوض تحت وطأة النيران.
تصعيد ميداني وإنذارات إخلاء إسرائيلية واسعة
على الصعيد الميداني، تترقب أحياء الضاحية الجنوبية تنفيذ تهديدات الجيش الإسرائيلي، بعدما وجّه إنذارات عاجلة لسكان عدد من المناطق بضرورة الإخلاء الفوري. وشملت هذه الإنذارات مناطق حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدث، برج البراجنة، تحويطة الغدير، والشياح. وتُعد هذه المرة الأولى التي يشمل فيها التحذير منطقة الجناح، التي تتبع إدارياً لبلدية الغبيري، رغم تعرضها سابقاً لغارات من دون إنذارات مسبقة. تزامناً مع ذلك، استهدفت مسيّرة إسرائيلية دراجة نارية ببلدة البابلية في صيدا، وشنت غارتين على خربة الدوير، كما أغار الطيران الحربي فجراً على بلدة الصرفند. وطال القصف أيضاً بلدات حبوش، المنطقة الواقعة بين زفتا والمروانية، كفرتبنيت، والمنطقة بين المحمودية والجرمق في قضاء جزين.
عمليات “حزب الله” واستهداف المواقع العسكرية
من جانبه، أعلن “حزب الله” في بيانات متتالية عن تنفيذ هجمات صاروخية استهدفت عدداً من المواقع والمستوطنات الإسرائيلية، بينها المالكية، مسكاف عام، والمطلة. كما أعلن الحزب عن تحقيق إصابة مباشرة إثر استهداف جرافة عسكرية إسرائيلية من نوع (D9) في بلدة رشاف بصاروخ موجه، إضافة إلى قصف تجمعات للجيش الإسرائيلي في بلدتي شمع ورشاف وعلى طريق رشاف – صربين باستخدام المدفعية والصواريخ.
التداعيات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار
تحمل نتائج هذه التحركات الدبلوماسية أهمية قصوى وتأثيراً بالغاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، يُعد وقف إطلاق النار حاجة إنسانية واقتصادية ملحة لوقف نزيف الخسائر، والسماح لمئات الآلاف من النازحين بالعودة إلى قراهم في الجنوب والضاحية. إقليمياً، من شأن تهدئة الجبهة اللبنانية أن تساهم في خفض مستوى التوتر العام في الشرق الأوسط، وقد تنعكس إيجاباً على مسار الأحداث في غزة. أما دولياً، فتنظر القوى الكبرى، وعلى رأسها واشنطن وباريس، إلى استقرار لبنان كعنصر حيوي لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة قد تهدد الأمن العالمي واستقرار أسواق الطاقة.
شروط بيروت: وقف إطلاق النار قبل بدء المباحثات
في غضون ذلك، ينتظر لبنان الرسمي تلقي رسالة واضحة من الجانب الأمريكي بشأن موقف إسرائيل من الانخراط في مفاوضات مباشرة، خاصة بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجيهاته لحكومته ببدء المفاوضات في أقرب وقت ممكن. وأفادت مصادر لبنانية بأن قائد الجيش، العماد جوزاف عون، لم يتلقَّ أي جواب أو رسالة من الجانب الأمريكي حول قبول إسرائيل بالتفاوض المباشر. وتؤكد بيروت مطالبها بوقف إطلاق النار قبل انطلاق المفاوضات، مشيرة إلى أنه لم يتحدد بعد زمان أو مكان المباحثات، أو أسماء الوفد المفاوض، بانتظار التبليغ الرسمي. ورغم ترجيح المصادر أن يترأس السفير السابق سيمون كرم الوفد اللبناني، إلا أن التشكيلة النهائية لم تُحسم. ويتمسك الموقف اللبناني بآلية تفاوض تشترط وقف إطلاق النار أولاً، على غرار الآليات المعتمدة في وساطات دولية سابقة.


