أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس، عن إصدار تعليمات رسمية تقضي ببدء المفاوضات المباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن. وأكد نتنياهو في تصريحاته أن هذه الخطوة تهدف بشكل أساسي إلى نزع سلاح “حزب الله” وإرساء أسس السلام والاستقرار بين إسرائيل ولبنان. تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والجهود الدولية الحثيثة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
السياق التاريخي للنزاع وتطورات المفاوضات المباشرة مع لبنان
لم تكن العلاقات بين إسرائيل ولبنان يوماً خالية من التعقيدات؛ فمنذ عقود، تشهد الحدود اللبنانية الإسرائيلية توترات مستمرة وحروباً متقطعة، أبرزها حرب تموز عام 2006. تاريخياً، كانت المفاوضات بين البلدين تتم غالباً عبر وسطاء دوليين، مثل الولايات المتحدة والأمم المتحدة، كما حدث في اتفاق ترسيم الحدود البحرية التاريخي الذي تم التوصل إليه في أواخر عام 2022.
ومع ذلك، فإن الحديث عن انطلاق المفاوضات المباشرة مع لبنان يمثل تحولاً استراتيجياً ملحوظاً في مسار الصراع، خاصة في ظل التصعيد العسكري الأخير الذي شهدته الجبهة الشمالية لإسرائيل والجنوبية للبنان منذ أكتوبر 2023. هذا التصعيد أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين من كلا الجانبين، مما زاد من الضغوط الداخلية والدولية للبحث عن حلول دبلوماسية مستدامة تجنب المنطقة ويلات حرب أوسع.
الدور الأمريكي وتأثير الإدارة الجديدة على مسار التهدئة
في سياق متصل، كشف موقع “أكسيوس” نقلاً عن مسؤول إسرائيلي أن السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة هو من سيتولى قيادة دفة هذه المفاوضات. وأوضحت مصادر أمريكية أن إعلان نتنياهو جاء في أعقاب مكالمة هاتفية أجراها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. ووفقاً لمسؤول كبير في الإدارة الأمريكية صرح لشبكة “إن بي سي نيوز”، فقد طلب ترمب من نتنياهو خلال اتصال هاتفي يوم الأربعاء خفض وتيرة الضربات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
يأتي هذا الطلب الأمريكي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى ضمان نجاح مسارات تفاوضية أخرى، لا سيما تلك المتعلقة بالملف الإيراني. ورغم تأكيد إدارة ترمب وإسرائيل سابقاً أن لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار، إلا أن تل أبيب أبدت استعدادها لتكون شريكاً داعماً لجهود التهدئة، وذلك بعد أن كان نتنياهو قد تعهد علناً بمواصلة العمليات العسكرية بقوة.
التداعيات الإقليمية والدولية للقرار
يحمل هذا التوجه نحو الدبلوماسية أبعاداً إقليمية ودولية بالغة الأهمية. فعلى الصعيد الإقليمي، يرى مراقبون أن أي تهدئة على الجبهة اللبنانية قد تنعكس إيجاباً على استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وربما تمهد الطريق لترتيبات أمنية جديدة. ومع ذلك، يبقى الموقف الإيراني عاملاً حاسماً؛ فقد أوضح مسؤولون أمريكيون أن هناك تهديدات إيرانية بالرد على الضربات العسكرية وإنهاء مساعي وقف إطلاق النار إذا لم تتحقق شروط معينة. من جهة أخرى، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول لبناني دعوته الملحة لوقف مؤقت لإطلاق النار بهدف إفساح المجال لإجراء المفاوضات في بيئة مستقرة.
التحركات الدبلوماسية اللبنانية في مجلس الأمن
على الجانب اللبناني، تتسارع التحركات الدبلوماسية لمواجهة التداعيات الإنسانية الكارثية للتصعيد. فقد أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قرار حكومته بتقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي. جاء هذا القرار إثر الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت مناطق متفرقة، لا سيما العاصمة بيروت، وأسفرت عن مقتل أكثر من 250 شخصاً يوم الأربعاء، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.
وأكد سلام للصحفيين عقب اجتماع مجلس الوزراء في بيروت أن توسع الاعتداءات يتطلب تدخلاً دولياً فورياً وحازماً. وتزامناً مع هذه التطورات المأساوية، تلقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف طلباً من نظيره اللبناني للتدخل الدبلوماسي والمساعدة في الضغط لوقف الهجمات الإسرائيلية، مما يعكس حجم التحشيد الدولي الذي يسعى لبنان لجمعه لاحتواء الأزمة وحماية سيادته وشعبه.


