في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، طالبت واشنطن حلفاءها الأوروبيين بتقديم تعهدات محددة وواضحة للمساهمة في تأمين مضيق هرمز. ونقلت وكالة «بلومبيرغ» عن مسؤول رفيع المستوى في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن الإدارة الأمريكية لم تكتفِ بطلب الدعم الشفهي، بل اشترطت تقديم خطط عملياتية دقيقة لضمان سلامة الملاحة عبر هذا الممر المائي الحيوي في غضون أيام قليلة.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية للممر المائي
لا يمكن فهم الإلحاح الأمريكي دون النظر إلى الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية البالغة لهذا الممر. يُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط الخام يومياً، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال. تاريخياً، كان المضيق مسرحاً لتوترات عديدة، بدءاً من أزمة «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى الحوادث المتكررة في السنوات الأخيرة التي شملت احتجاز واستهداف سفن تجارية وناقلات نفط، مما جعل أمن الملاحة فيه قضية أمن قومي عالمي لا تقبل المساومة.
لقاءات حاسمة في البيت الأبيض وموقف ترمب
جاءت هذه المطالب الأمريكية الصارمة خلال مباحثات مكثفة جرت في البيت الأبيض بين مسؤولين أمريكيين وقيادات من حلف «الناتو». وفي هذا السياق، التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالأمين العام للحلف مارك روته. وعقب الاجتماع، وجه ترمب رسالة حادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً: «لم يكن الناتو موجوداً عندما احتجنا إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».
ولم تقتصر المباحثات على الرئيس، بل التقى روته أيضاً بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. وناقش الطرفان ملفات شائكة، على رأسها الملف الإيراني، والجهود المبذولة لإنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، فضلاً عن ضرورة زيادة التنسيق ونقل الأعباء المالية والعسكرية لتتحمل أوروبا جزءاً أكبر من مسؤولياتها داخل الحلف. وفي تصعيد لافت يعكس حجم الضغط، صرح ترمب في مقابلة مع صحيفة «تليغراف» البريطانية بأنه يفكر جدياً في سحب الولايات المتحدة من حلف «الناتو» بشكل نهائي.
التداعيات المتوقعة لخطط تأمين مضيق هرمز
إن إشراك حلف الناتو بشكل مباشر في تأمين مضيق هرمز يحمل تداعيات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. إقليمياً، قد يؤدي هذا التواجد العسكري المكثف إلى إعادة رسم موازين القوى في منطقة الخليج، مما يبعث برسالة ردع قوية لأي تهديدات تستهدف خطوط الإمداد. دولياً، يعكس هذا التوجه رغبة واشنطن في إعادة هيكلة التحالفات الغربية، بحيث لا تتحمل الولايات المتحدة وحدها فاتورة حماية الممرات المائية الدولية.
ومن المتوقع أن تثير هذه المطالب نقاشات حادة داخل العواصم الأوروبية التي تسعى لتجنب التصعيد العسكري المباشر، لكنها في الوقت نفسه تدرك تماماً أن أمنها في مجال الطاقة يعتمد بشكل جذري على التدفق السلس للنفط عبر هذا المضيق الاستراتيجي. ومن شأن نجاح هذه الخطط أن يضفي استقراراً على أسواق الطاقة العالمية التي تتأثر بشدة بأي اضطرابات أمنية في المنطقة.


