في خطوة استراتيجية تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز التكاتف المجتمعي، وافق مجلس الشورى خلال جلسته الأخيرة على مشروع القانون الموحد الذي يُعرف باسم نظام العمل التطوعي الخليجي. يأتي هذا القرار ليمثل نقلة نوعية في مسيرة العمل الإنساني والاجتماعي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث يهدف إلى توحيد الجهود وتأطير المبادرات التطوعية بشكل مؤسسي ومستدام يخدم تطلعات شعوب المنطقة.
جذور التعاون الإنساني ومسيرة التكامل بين دول المجلس
لطالما كان العمل الإنساني والخيري متأصلاً في ثقافة شعوب منطقة الخليج العربي، مستمداً قيمه الراسخة من التعاليم الإسلامية والعادات العربية الأصيلة. وعلى مدار العقود الماضية، سعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى مأسسة هذه الجهود الفردية والجماعية من خلال لجان مشتركة واجتماعات دورية لوزراء الشؤون الاجتماعية. وقد برزت الحاجة الماسة إلى إيجاد إطار قانوني موحد ينظم هذه الجهود، خاصة مع تزايد التحديات الإقليمية والعالمية التي تتطلب استجابة سريعة ومنظمة. ومن هنا، تبلورت فكرة إقرار تشريع مشترك يضمن حقوق المتطوعين، وينظم واجباتهم، ويوفر بيئة آمنة ومحفزة للبذل والعطاء، مما يسهل انتقال المتطوعين وتبادل الخبرات بين الدول الأعضاء بكل سلاسة وفعالية.
الأبعاد الاستراتيجية لإقرار نظام العمل التطوعي الخليجي
يحمل إقرار نظام العمل التطوعي الخليجي أهمية بالغة تتجاوز الحدود المحلية لتشمل أبعاداً إقليمية ودولية واسعة. على الصعيد المحلي والإقليمي، سيساهم هذا النظام في رفع كفاءة المبادرات التطوعية، وتوجيه الطاقات الشبابية نحو مشاريع تنموية تخدم المجتمعات الخليجية، فضلاً عن تعزيز قيم الانتماء والمواطنة. كما أنه يتماشى بشكل وثيق مع الرؤى الوطنية لدول الخليج، وعلى رأسها رؤية السعودية 2030 التي تستهدف الوصول إلى مليون متطوع. أما على الصعيد الدولي، فإن توحيد هذه الجهود يبرز الدور الريادي لدول الخليج في الخارطة الإنسانية العالمية، ويجعل من المنظومة الخليجية شريكاً موثوقاً للمنظمات الدولية في مواجهة الأزمات والكوارث، مما يعزز من القوة الناعمة لدول المجلس.
تعزيز الشراكات الدولية وتطوير القطاعات الحيوية
وفي مستهل الجلسة، استعرض مجلس الشورى جدول أعماله الحافل، حيث ناقش عدداً من الموضوعات والتقارير الهامة، متخذاً بشأنها القرارات اللازمة التي تخدم المصالح الوطنية. ومن أبرز هذه القرارات، الموافقة على حزمة من مذكرات التفاهم والاتفاقيات الثنائية مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة. فقد وافق المجلس على مذكرة تفاهم بين حكومة المملكة العربية السعودية وحكومة جمهورية جنوب إفريقيا للتعاون في مجال العمل، مما يسهم في تبادل الخبرات وتطوير أسواق العمل بما يخدم اقتصاد البلدين.
دعم القطاع غير الربحي وتطوير البنية التحتية
وإيماناً بأهمية القطاع الثالث ودوره في التنمية الشاملة، أقر المجلس مذكرة تفاهم بين المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في المملكة ووزارة الثقافة والمجتمع والشباب في جمهورية سنغافورة، بهدف تبادل أفضل الممارسات في هذا المجال الحيوي. وفي سياق متصل بتطوير البنية التحتية، تمت الموافقة على مذكرة تفاهم بين وزارة النقل والخدمات اللوجستية السعودية ووزارة النقل والتنقل المستدام في مملكة إسبانيا، للتعاون المشترك في مجال أساليب النقل الحديثة والمستدامة.
تنظيم سوق العمل وحماية الملكية الفكرية
وفي قرارات أخرى تعكس شمولية الرؤية التنموية للمملكة، وافق مجلس الشورى على مشروع اتفاق بين وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة ووزارة العمل والتوظيف الاتحادية في جمهورية نيجيريا الاتحادية، والذي يركز على تنظيم مجال توظيف العمالة وحفظ حقوق جميع الأطراف. وأخيراً، توج المجلس قراراته بالموافقة على مشروع اتفاق تعاون استراتيجي بين الهيئة السعودية للملكية الفكرية والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، وذلك في خطوة تهدف إلى تحسين وتطوير خدمات الأعمال في مكاتب الملكية الفكرية، مما يعزز من بيئة الابتكار وجذب الاستثمارات النوعية إلى المملكة.


