في ظل التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، تتجه الأنظار نحو طهران التي تكثف استعداداتها لمواجهة أي تصعيد عسكري. وفي هذا السياق، برزت تصريحات رسمية تؤكد الجاهزية التامة للتصدي لأي هجوم، حيث تتزايد المخاوف من الاجتياح البري المحتمل الذي قد تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل، مما دفع القيادة الإيرانية إلى إعلان حالة من التعبئة الشعبية غير المسبوقة.
تصاعد التوترات ومخاوف من الاجتياح البري المحتمل
أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بوضوح عن استعداده الشخصي للتضحية بحياته من أجل الدفاع عن بلاده، مشيراً إلى أن هذا الموقف يشاركه فيه ملايين المواطنين. وفي تغريدة له على منصة “إكس”، أكد بزشكيان أن أكثر من 14 مليون إيراني شجاع أبدوا استعدادهم التام للتضحية بحياتهم دفاعاً عن الوطن في حال وقوع الاجتياح البري المحتمل. وأضاف: “أنا أيضاً كنت وما زلت وسأكون مستعداً للتضحية بحياتي من أجل إيران”. تأتي هذه التصريحات في وقت حرج، حيث أفادت تقارير بأن الإدارة الأمريكية منحت طهران مهلة حاسمة للتوصل إلى اتفاق، مترافقة مع تهديدات صريحة باستهداف وتدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الجسور ومنشآت الطاقة في البلاد.
التعبئة الشعبية: استراتيجية إيرانية تاريخية
لم تكن الأرقام التي أعلنها التلفزيون الرسمي الإيراني، والتي نقلتها وكالة “أسوشيتد برس” حول تطوع 14 مليون شخص للقتال، وليدة اللحظة. بل هي امتداد لاستراتيجية تعبئة الجماهير التي تعتمدها طهران منذ عقود، وتحديداً منذ فترة الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، حيث لعبت قوات التعبئة الشعبية دوراً محورياً في العقيدة العسكرية الإيرانية. وتأتي هذه الأرقام الجديدة لتضاعف ما أعلنه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في أوائل شهر أبريل الماضي، حين أشار إلى تطوع 7 ملايين شخص من أصل حوالي 90 مليون نسمة هم إجمالي سكان البلاد. ولتحقيق هذه التعبئة، أطلقت الحكومة الإيرانية حملات واسعة عبر وسائل الإعلام الرسمية والرسائل النصية القصيرة لحث المواطنين على التطوع، كما وجهت نداءات للجنود المتقاعدين لإبداء رغبتهم في العودة إلى صفوف القتال.
حماية البنية التحتية عبر السلاسل البشرية
في خطوة تعكس حجم القلق من الضربات الجوية المهددة، لجأت السلطات الإيرانية إلى تكتيكات الدفاع المدني والشعبي. فقد وجه علي رضا رحيمي، أمين المجلس الأعلى للشباب والناشئين، دعوة رسمية عبر التلفزيون الحكومي لجميع فئات المجتمع، لتشكيل “سلاسل بشرية” حول محطات توليد الكهرباء. وطلب رحيمي من الجماهير التجمع لحماية هذه المحطات التي وصفها بأنها “من أصولنا وثروتنا الوطنية”، مؤكداً أن هذه المنشآت تنتمي لمستقبل إيران وشبابها، بغض النظر عن الانتماءات السياسية. هذا التكتيك ليس جديداً على الساحة الإيرانية؛ ففي أوقات التوتر المتصاعد مع الدول الغربية، سبق وأن نظمت طهران مظاهرات على شكل سلاسل بشرية، تُعرف أيضاً باسم “الدروع البشرية”، لحماية منشآتها النووية الحساسة.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد الحالي
إن التلويح بضرب منشآت الطاقة الإيرانية والتحضير الشعبي الواسع يضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن. فعلى المستوى المحلي، تسعى القيادة الإيرانية من خلال هذه التعبئة إلى توحيد الصف الداخلي وتعزيز الروح الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن أي استهداف للبنية التحتية للطاقة في إيران قد يؤدي إلى اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية، مما يهدد بارتفاع حاد في أسعار النفط وتأثر سلاسل الإمداد. كما أن اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة سيجر المنطقة إلى صراع واسع النطاق، قد تتدخل فيه أطراف دولية وإقليمية متعددة، مما يعقد المشهد الأمني والسياسي في الشرق الأوسط.


