فضحت الأحداث المتسارعة والحروب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، الوجه الحقيقي للسياسات الإقليمية. إن التصعيد الإيراني المستمر يكشف بوضوح عن الوجه العدواني للجار الذي طالما ادعى حرصه على حفظ حقوق الجوار واحترام المواثيق الدولية. لقد أُزيحت الستارة عن النتائج الكارثية للخطاب الدوغمائي الذي غرس به نظام الملالي جيشه وعبأ به شعبه، وهو خطاب قائم بالأساس على وهم تصدير الثورة والتدخل في شؤون الدول الأخرى.
الجذور التاريخية لسياسة تصدير الثورة
لفهم طبيعة هذا الصراع، يجب العودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. منذ عام 1979، تبنت طهران سياسة خارجية تعتمد على التمدد الأيديولوجي وتأسيس أذرع مسلحة في عدة دول عربية. وربما كان في التسليم بالنوايا ذات الملمس الناعم من جانب حكومات طهران المتعاقبة، والتي تدعي احترام العلاقات ورعاية مصالح الدول، نوع من الدبلوماسية الخليجية التي تُغلّب حُسن الظن إلى أن يثبت عكس ذلك. وهو ما ثبت بالفعل منذ أسابيع، ولا تزال شواهده قائمة إلى يومنا هذا، حيث تحولت الشعارات إلى أفعال عسكرية تهدد أمن المنطقة.
وما استهداف دول الخليج بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في فترات سابقة إلا دليل قاطع على التناقض والتخبط داخل مؤسسات الحكم الإيرانية. هذه المؤسسات التي أمطرت عواصم ومدن جوارها بنيران حقد أيديولوجي أعمى، تكشف عمّا أضمره وأعده النظام في إيران للجيران من خزين إستراتيجي وعسكري. كنا نظن في الماضي أن هذا التسليح من المبالغات الدعائية التي استمرأها الإعلام المسكون بهواجس التوسع واستعادة السيطرة على الدول تحت مظلة إمبراطورية بادت وما سادت، لكن الواقع أثبت خطورة هذه الترسانة.
تداعيات التصعيد الإيراني على المشهد الإقليمي والدولي
تبرز أهمية هذه الأحداث في تأثيرها العميق والمتشعب. فعلى الصعيد المحلي والإقليمي، يؤدي التصعيد الإيراني إلى زعزعة الثقة وزيادة التوترات الأمنية التي تعيق خطط التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه التوترات المستمرة تهدد أمن إمدادات الطاقة العالمية وحركة الملاحة البحرية في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر. إن تحريك الأذرع والميليشيات لا يخدم سوى أجندة الفوضى، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية للحد من هذا التهور الذي ينذر بجر المنطقة بأكملها إلى صراع مفتوح.
حكمة الرد الخليجي في مواجهة الأزمات
رغم كل هذه الاستفزازات، لم ولن تضعف المنظومة الخليجية عن الرد المناسب، ولن تتردد في اتخاذ قرارها الحازم لحماية سيادتها إن لزم الأمر. إلا أن جيران إيران العرب يؤمنون بمبادئ الإسلام الحنيف الذي جعل مال ودم المسلم وعرضه حراماً على أخيه المسلم. وما زالت لغة خطاب مجلس التعاون الخليجي تعبّر عن أسفها البالغ كون ما كانت تأمل ألا يحدث قد حدث فعلاً. لقد انتهجت دول الخليج سياسة الصبر الإستراتيجي، وغلّبت التروي وقياس الأمور بعين بصيرة بعيدة النظر، وتفادي ردود الفعل المُصعّدة للأحداث.
في النهاية، تدرك القيادات الحكيمة أن الحروب وقتيّة، والسلام هو مطلب جميع العقلاء. إن حقوق الجار ليست خاضعة للنسبية عند الجيران المسلمين، حتى وإن كان الجار الشرقي غير آمن ومصدر للتهديد المستمر. ويكفي من الدروس المستفادة من هذه الأزمة الإقليمية المعقدة، أنها كشفت بوضوح عمّا رصدته وصنّعته الجارة من سلاح لضرب المسالمين بيدها وأيدي أذرعها وأجنحتها التي باتت آيلة للقص من أصلها، لضمان مستقبل آمن ومستقر لأجيال المنطقة.


